رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

العالم يترقب السلام على كرسى «البابا الأمريكى»

بوابة الوفد الإلكترونية

سيناريوهات تعامل «ليو الرابع» مع الإصلاحيين والمحافظين

سر «الدخان الأبيض» فى الإعلان عن اسم «الكاردينال» الفائز

كيف بدأ «الكرادلة» عملية التصويت؟.. وما علاقة صورة «ترامب» بحسم الانتخابات؟

 

دخل بابا الفاتيكان الجديد «ليو الرابع عشر» غرفة الدموع بكنيسة «سيسستينا» لممارسة طقس التأمل، والبكاء، بعد تصاعد الدخان الأبيض بمدخنة الكنيسة ذاتها، وارتدى الزى البابوى الأبيض، قبل أن يخرج لتحية الجمهور بساحة القديس بطرس، ويطلق عبارته الأولى «السلام عليكم جميعاً»، كطقس أول بعد انتخابه من مجمع الكرادلة «الكونكلاف»، أعلى هيئة كنسية كاثوليكية.
ويُعقد «الكونكلاف» -المجمع الفاتيكانى الأعلى- داخل كنيسة سيستينا، وهى تحفة معمارية، وفنية تزيّنها لوحات مايكل أنجلو الشهيرة، حيث يجتمع الكرادلة، وبينهم الناخبون الذين لا يتجاوز عددهم 135 حالياً.
وجرى انتخاب الكاردينال «روبرت فرنسيس بريفوست» -أمريكى الأصل- فى الجلسة الخامسة بعد أربع اجتماعات تصويتية سرية للمجمع الذى ضم 133 كاردينالاً، تقل أعمارهم عن 80 عاماً وفق القانون الفاتيكانى.
وحسب القانون الكنسى فإن أربع جولات تصويتية تجرى يومياً، منذ بدء إجراءات الانتخاب، جولتان تصويتيتان صباحاً، واثنتان مساءً، باستثناء اليوم الذى يفتتح فيه المجمع الانتخابى بالصلوات، ويجرى خلاله جولة اقتراع واحدة، ثم ينصرف الكرادلة إلى اجتماعات تشاورية جانبية، إلا إذا استطاعوا انتخاب البابا سريعاً.


البابا الذى يعد رقم 267 فى تاريخ كنيسة روما، واختار اسم «ليو الرابع عشر»، ولد فى ولاية «شيكاغو» عام 1955، وانضم إلى رهبانية القديس أوغسطينوس عام 1977، وأعلن نذوره الرهبانية الدائمة عام 1981، وحصل على شهادة جامعية فى الرياضيات من جامعة «فيلانوفا» عام 1977، فيما حصل على درجة الماجستير فى اللاهوت من الاتحاد اللاهوتى الكاثوليكى بـ«شيكاغو»، بجانب درجة الدكتوراه فى القانون الكنسى من الكلية الحبرية للقديس «توما الأكوينى» فى روما، وتناولت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه موضوع «دور الرئيس المحلى فى رهبانية القديس أوغسطينوس».
وحسب الطقس الكنسى فإن أوراق الاقتراع تحرق عقب كل جولة تصويت، وعندما يكون التصويت غير حاسم للمنصب البابوى يضاف خليط خاص إلى الورق المحترق لإنتاج دخان أسود، بما يشير إلى العامة والمتابعين بعدم التوصل إلى قرار، بينما حين ينتخب البابا تحرق أوراق الاقتراع بمواد تنتج دخاناً أبيض، وتكون الإشارة هذه معناها اختيار البابا، ويعرفها المتابعون داخل ساحة القديس بطرس، وأمام الشاشات.
وفقاً لقوانين الكنيسة، لا يوجد حد زمنى صارم لانتخاب البابا، ولكن منذ عام 2005، اعتُمدت آلية تُسرّع العملية فى حال عدم التوصل إلى إجماع خلال أيام عدة. فى حال استمرار الجمود، يمكن اللجوء إلى تغيير آلية التصويت، مثل اعتماد أغلبية النصف زائد واحد بدلاً من الثلثين.
وعلى عكس طموحات قطاع عريض من الكرادلة أتى البابا أمريكياً لأول مرة إلى الكرسى البطرسى، فيما كانت دوائر عريضة بالكنيسة الكاثوليكية تأمل فى أن يكون البابا الجديد إيطالياً، نظير ما تتمتع به روما من مكانة روحية، حيث توفى بها القديسان بطرس، وبولس، وهو ما جعلها لاحقاً عاصمة لـ«الكاثوليكية».
وبانتخاب «ليو الرابع عشر»، يعتلى الكرسى البطرسى البابا الأمريكى، وهو ما دفع كثيرين إلى ربط «ربما غير دقيق» بين صورة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتى عدلت بواسطة برامج الذكاء الاصطناعى، ونشرت على منصة «إكس» بلا تعليق، وعليها عبارة «أنا البابا».
وعقب إعلان اسم بابا الفاتيكان الجديد، أعرب «ترامب» عن سعادته بفوز مواطن أمريكى لأول مرة بالمنصب البابوى، لافتاً إلى سعيه لمقابلته، وإقامة علاقات جادة مع رأس «الكاثوليكية».
ويُعتبر الكاردينال «بريفوست» عضواً فى سبع دوائر بالفاتيكان، إلى جانب عضويته بإحدى لجان الحكومة، بما يشير إلى ثقة كبيرة منحها البابا الراحل للكاردينال المنتخب.
ورغم دخول عدد من الكرادلة قائمة خلافة «فرنسيس» فى مقدمتهم «بيترو بارولين»، إلا أن انتخاب «ليو الرابع عشر» لم يكن مفاجئاً، حيث إن 80% من الكرادلة أعضاء «الكونكلاف» -المجمع الأعلى الحالى- معينون من قبل البابا فرنسيس الراحل.
وحسبما رأى محللون فإن فترة الانتقال الفاتيكانى كانت مشوبة بقلق إزاء رؤية البابا الجديد، فبينما يميل قطاع عريض من أتباع الكاثوليكية حول العالم إلى استمرار النهج الإصلاحى الذى أرساه «البابا الراحل»، فإن ثمة فريقاً آخر فضّل قدوم وجه إصلاحى - محافظ، يبقى انفتاح الكنيسة على قضايا المهمشين، والفقراء، وفى الوقت ذاته يركز على القضايا العقدية، ويحفظ مسارات الفاتيكان فى فترة التوتر العالمى.


ووفقاً للفريق الداعم لـ«مرحلة انتقالية» هادئة بين الإصلاح، والمحافظة، فإن البابا الجديد يلبى المطلب الفاتيكانى بالسير على خطى «فرنسيس»، وترسيخ التقليدية على جانب آخر، وبالرغم من خلفيته الأمريكية، وإلمامه بالانقسامات التى تشهدها الكنيسة، فإن مرجعيته اللاتينية تمثل استمراراً ظاهراً للبابا «الأرجنتينى» الإصلاحى المنحاز للفقراء، والمهاجرين.
وثمة اعتقاد متداول يشى بأن «ليو الرابع عشر» يتبنّى وجهات نظر البابا الراحل فرنسيس بشأن قضايا المهاجرين، والفقراء، والبيئة، لكن محللين يقولون إن دعمه لهذه القضايا سيكون بمعزل عن «الكاريزماتية» التى كانت سمة لافتة للبابا الراحل.
واتسمت مسيرة «ليو الرابع عشر» الكنسيّة بعدة أدوار من بينها التحاقه بالدعوة الأوغسطينية فى «بيرو» عام 1985، وتوليه فيما بعد منصب مستشار الولاية الكنسية الإقليمية بمدينة «شولوكاناس» خلال الفترة من 1985، وحتى 1986.
وقضى البابا الجديد عامَى (1987-1988) بالولايات المتحدة الأمريكية شغل خلالهما منصب منسق الدعوات الكهنوتية، ومدير البعثات الرهبانية «الأوغسطينية» لإقليم شيكاغو، قبل أن يعود إلى «بيرو» مرة أخرى.
ومن شرفة كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان، أطل البابا ليو الرابع عشر على أتباع الكنيسة المترقبين، لأول مرة، قائلاً «السلام عليكم جميعاً»، داعياً فى كلمته الأولى إلى بناء الجسور عبر الحوار، والمضى قدماً دون خوف، متحدين يداً بيد.
وتعتبر «كاتدرائية القديس بطرس»، أو بازليك القديس بطرس «كما يتداول فى الشأن الكاثوليكى»، من أبرز المعالم الدينية على الساحة المسيحية، حيث تقع فى قلب الفاتيكان، وتعد مركزاً روحياً للملايين من المسيحيين.
يأتى ذلك بجانب تاريخها الحافل بالأحداث، والتطورات، التى تعكس عمق تقاليد الكاثوليكية، ويعتقد أن الكاتدرائية التاريخية التى تعد مركزاً للمنصب الفاتيكانى بنيت فوق ضريح القديس بطرس، أحد تلاميذ المسيح الإثنى عشر، وأسقف روما الأول، بالقرن الرابع الميلادى.
وبدأت أعمال إنشاء الكاتدرائية الحالية بالفاتيكان فى الثامن عشر من أبريل عام 1506 برعاية البابا يوليوس الثانى، واستمر البناء نحو قرن من الزمان، حتى جرى تدشينها -افتتاحها- رسمياً فى الثامن عشر من نوفمبر عام 1626 بواسطة البابا أوروبان الثامن.
ورغم أن انتخاب بابا الفاتيكان يعد حدثاً دينياً، ويخضع لقوانين الكنيسة الكاثوليكية، غير أنه يكتسب صفة العالمية، ويؤثر اختيار القادم إلى الكرسى البطرسى على سياسات الكنيسة، وعلاقاتها الدولية، ويجذب أنظار ملايين المتابعين حول العالم.
ويوصف البابا الجديد بـ«الاعتدال» -حسبما يرى مقربون من الدوائر الفاتيكانية-، يأتى ذلك نظير قدرته على قيادة مسار معتدل بين الأساقفة اليساريين المتعاطفين مع «لاهوت التحرير»، والمحافظين على ناحية أخرى.
وتقلد «بريفوست» عدداً من المهام خلال تدرجه فى المناصب الكنسية من بينها كاهن رعوى، ومسئول إيبارشية، ومدير تنشئة، وأستاذ إكليريكى، وانتخب رئيساً إقيلمياً لمقاطعة سيدة المشورة الصالحة بشيكاغو، وفى عام 2001 انتخب رئيساً عاماً لرهبانية القديس أوغسطينوس حتى عام 2013.


وعُين من قبل البابا فرنسيس الراحل مدبراً رسولياً لـ«إيبارشية تشكلايو» عام 2014، ورُقى إلى درجة أسقف للإيبارشية ذاتها عام 2015، وبعدها بنحو ثلاث سنوات شغل منصب نائب رئيس، وعضو المجلس الدائم لمؤتمر الأساقفة فى بيرو.
وكلّفه بابا الفاتيكان الراحل بمهمة اختيار الأساقفة عام 2023، ورُقى إلى درجة الكاردينال، لكنه خلال الأشهر الأولى من منصب رئيس دائرة الأساقفة اتسم بحضور هادئ فى وسائل الإعلام، وحاز تقدير الجماهير نظير قدرته على الاستماع، وإلمامه بالتفاصيل.
وانتقد «الكاردينال» خلال فترة البابا الراحل آراء نائب الرئيس الأمريكى «جيه دى فانس»، وامتد انتقاده إلى الإدارة الأمريكية نظير ترحيل الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لأحد المقيمين بالولايات المتحدة إلى «سلفادور».
وكان المتحدث باسم الفاتيكان، ماتيو برونى، قد أعلن قبيل اجتماع مجمع الكرادلة عن رغبتهم فى «اختيار بابا ذى روح نبوية قادر على قيادة كنيسة لا تنغلق على نفسها، بل تعرف كيف تخرج، وتبث النور فى عالم يعانى من اليأس»، على حد وصفه.
وتأتى الطقوس التاريخية لانتخاب بابا الفاتيكان فى عدة خطوات تبدأ بـ«اجتماع الكرادلة» بكاتدرائية القديس بطرس للصلاة، وطلب الإلهام الإلهى، وبعدها يقسم الكرادلة على سرية التصويت، وعدم السعى وراء التأثيرات الخارجية، وتبدأ عملية التصويت عبر كتابة كل كاردينال اسم المرشح المفضل لديه، وتعلن النتيجة بمجرد حصول أحد المرشحين على أغلبية الثلثين (من مجموع 135 كاردينالاً) هم أعضاء «الكونكلاف» -المجمع الأعلى للكنيسة الكاثوليكية- ويطلب منه بعد ذلك قبول المنصب.
وبعد انتهاء التصويت يخرج الكاردينال الأقدم إلى شرفة كاتدرائية القديس بطرس ليعلن على الجماهير عبارة «لدينا بابا»، فى أعقاب تصاعد الدخان الأبيض من مدخنة كنيسة سيستينا، ويرتدى البابا الجديد رداءه الأبيض، ويقدم ما يسمى بـ«البركة» الأولى للجماهير.


وتعود أصول «الكونكلاف» المجمع السرى للكرادلة المكلفين بانتخاب البابا إلى القرن الثالث عشر، عندما قرر البابا غريغوريوس العاشر «1274» فرض عزلة تامة على الكرادلة أثناء عملية الانتخاب لتسريعها، ومنع التدخلات الخارجية.
وقبل اعتماد نظام المجمع السرى، كانت عملية انتخاب البابا تستغرق أحياناً سنوات بسبب الخلافات والتدخلات السياسية. على سبيل المثال، بعد وفاة البابا كليمنت الرابع عام 1268، استمر الكرسى الرسولى شاغراً لمدة ثلاث سنوات، ودفع هذا التأخير البابا غريغوريوس العاشر إلى فرض قواعد صارمة، بما فى ذلك عزل الكرادلة عن العالم الخارجى وتقليص وسائل الراحة المتاحة لهم، بهدف تسريع عملية الانتخاب.
يشار إلى أن تاريخ انتخابات بابا الفاتيكان شهد حالات تصويت استمرت لفترات طويلة، وأخرى حسمت بسرعة لافتة، وتأتى أطول فترة انتخاب للبابا غريغورى العاشر، واستمرت نحو 3 سنوات (1268- 1271)، بعد خلافات شديدة بين الكرادلة، فى حين أن أسرع انتخابات جرت عام 1203 باختيار البابا يوليوس الثانى فى بضع ساعات، نظير توافق مسبق بين الكرادلة.