نبضُ الكلماتِ
في خِضَمِّ التوتراتِ الإقليميةِ المتسارعةِ، تجدُ سيناءُ نفسَها من جديدٍ في قلبِ العاصفةِ، ليسَ من بوابةِ الإرهابِ هذه المرةَ، بلْ من بوابةِ دعواتٍ مشبوهةٍ لتهجيرِ الفلسطينيينَ من قطاعِ غزةَ إلى أراضيها، وهي دعواتٌ تتلاقى عندها مصالحُ قوى الشرِّ في الداخلِ والخارجِ، لتشكلَ تهديدًا صريحًا لسيادةِ مصرَ وأمنِها القوميِّ.
عيدُ تحريرِ سيناءَ يأتي هذا العامَ في ظروفٍ استثنائيةٍ مُلتهبةٍ، تعكسُ التحدياتِ الإقليميةَ والمحليةَ التي تمرُّ بها مصرُ والمنطقةُ بأكملِها. فبينما يُحيِّي المصريونَ ذكرى استردادِ أرضِهم الغاليةِ في 25 أبريل 1982، تتزايدُ الأزماتُ السياسيةُ والاقتصاديةُ والأمنيةُ، مما يُلقي بظلالِهِ على الاحتفالِ بهذه المناسبةِ الوطنيةِ. في ظلِّ توتراتٍ على الحدودِ وواقعٍ إقليميٍّ متغيرٍ، يبقى تحريرُ سيناءَ رمزًا لصمودِ الشعبِ المصريِّ وقدرتِهِ على استعادةِ حقوقِهِ رغمَ التحدياتِ. كما أنَّ هذه الذكرى تجددُ التأكيدَ على أهميةِ الحفاظِ على الأمنِ القوميِّ، واستمرارِ التنميةِ في سيناءَ كركيزةٍ أساسيةٍ من ركائزِ الأمنِ والاستقرارِ.
لذلكَ نعتبرُ دعواتِ التهجيرِ، قنبلةً موقوتةً، فما إنِ اشتدَّ الحصارُ على غزةَ وتصاعدتِ العملياتُ العسكريةُ، حتى خرجتْ أصواتٌ من هنا وهناك، تقترحُ "نقلَ" السكانِ إلى سيناءَ بدعوى إنقاذِهم. لكنَّ الحقيقةَ، كما يراها الشعبُ المصريُّ العاشقُ لترابِ سيناءَ، أنَّ هذه ليستْ مبادراتٍ إنسانيةً، بلْ محاولاتٌ لإفراغِ الأرضِ الفلسطينيةِ من سكانِها وتوطينِهم في أرضٍ مصريةٍ، ضمنَ مخططٍ قديمٍ متجددٍ لتصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ.
فسيناءُ ليستْ أرضًا بلا شعبٍ، ولا هي مساحةٌ جغرافيةٌ متروكةٌ لتكونَ ضحيةَ مخططاتٍ دوليةٍ. على العكسِ، فهي قلبٌ وطنيٌّ نابضٌ، شهدَ على مرِّ التاريخِ بطولاتٍ وتضحياتٍ، ولا يمكنُ التفريطُ بشبرٍ منها، لا باسمِ الإنسانيةِ ولا تحتَ ضغطِ الواقعِ السياسيِّ. منذُ اللحظةِ الأولى، جاءَ الموقفُ المصريُّ حاسمًا برفضِهِ القاطعِ لمبدأِ التهجيرِ أو التوطينِ. فمصرُ تدركُ أنَّ أمنَها يبدأُ من سيناءَ، وأنَّ السماحَ بتمريرِ مثلِ هذه المخططاتِ، حتى بشكلٍ مؤقتٍ، يعني فتحَ أبوابِ جهنمَ على الأمنِ القوميِّ المصريِّ، وتكرارَ سيناريوهاتِ فوضى إقليميةٍ لا تنتهي.
لذلكَ لم يتوانَ الرئيسُ السيسي لتكونَ التنميةُ أبسطَ ردٍّ، والردُّ الأقوى، ورغمَ التحدياتِ، لم تتوقفِ الدولةُ المصريةُ عن ضخِّ الاستثماراتِ في سيناءَ، عبرَ مشاريعِ بنيةٍ تحتيةٍ، ومدنٍ جديدةٍ، وزيادةِ معدلاتِ التوطينِ، في محاولةٍ مستمرةٍ لتثبيتِ السيادةِ على الأرضِ بالحقِّ والتنميةِ، لا بالشعاراتِ.
سيناءُ لم تكنْ يومًا مجردَ أرضٍ، بلْ كانتْ وستظلُّ رمزًا للتضحيةِ والعزةِ، وقطعةً غاليةً من الوطنِ دفعَ المصريونَ دماءَهم لتحريرِها. واليومَ، وبعدَ عقودٍ من التحريرِ، تعودُ سيناءُ إلى الواجهةِ ولكنْ في مشهدٍ مختلفٍ، تُحيطُ بهِ مطامعُ قوى خارجيةٍ تسعى لتغييرٍ ديموغرافيٍّ يضربُ عمقَ الأمنِ القوميِّ المصريِّ ويهددُ استقرارَ المنطقةِ بأكملِها. دعواتُ التهجيرِ هي في الأصلِ مؤامرةٌ شيطانيةٌ بوجهٍ إنسانيٍّ، تُروِّجُ بعضُ الأصواتِ الدوليةِ لفكرةِ "التهجيرِ الإنسانيِّ" لأهالي غزةَ إلى سيناءَ، تحتَ غطاءِ الأزماتِ الإنسانيةِ التي يواجهُها القطاعُ، وهي دعواتٌ ظاهرُها الرحمةُ وباطنُها تنفيذُ مخططاتٍ استعماريةٍ قديمةٍ تهدفُ إلى تصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ، وجعلِ سيناءَ وطنًا بديلًا. وهو أمرٌ ترفضُهُ مصرُ قيادةً وشعبًا رفضًا قاطعًا، باعتبارِهِ تفريطًا في السيادةِ وخرقًا لمبادئِ الدولةِ الوطنيةِ. الموضوعُ باختصارٍ أطماعٌ إسرائيليةٌ أمريكيةٌ، فلطالما كانتْ سيناءُ مطمعًا لقوى الشرِّ، من الاحتلالِ الإسرائيليِّ في الماضي إلى التنظيماتِ الإرهابيةِ التي حاولتْ إيجادَ موطئِ قدمٍ فيها خلالَ السنواتِ الأخيرةِ. والآنَ، تلوحُ في الأفقِ أطماعٌ جديدةٌ ترتدي ثوبَ "الحلولِ الإنسانيةِ"، لكنَّها تحملُ في طياتِها مشاريعَ تفكيكٍ للمنطقةِ وتفجيرٍ لصراعاتٍ طويلةِ الأمدِ. وفي مواجهةِ هذه التحدياتِ، تبقى التنميةُ الشاملةُ في سيناءَ هي السلاحَ الأهمَّ والأقوى لتعزيزِ الأمنِ والاستقرارِ. فمشروعاتُ البنيةِ التحتيةِ، وزيادةُ الاستثماراتِ، وتوفيرُ فرصِ العملِ لأهالي سيناءَ، كلُّها خطواتٌ تُمثلُ جدارَ الصدِّ الحقيقيَّ أمامَ محاولاتِ زعزعةِ الاستقرارِ أو استغلالِ أيِّ فراغٍ تنمويٍّ.
ختامًا.
إنَّ الدفاعَ عن سيناءَ اليومَ لا يكونُ بالسلاحِ فقطْ، بلْ بالوعيِ الشعبيِّ، والوحدةِ الوطنيةِ، والرفضِ القاطعِ لأيِّ محاولاتٍ للعبثِ بترابِها أو استغلالِ أزمتِها وستظلُّ سيناءُ مصريةً، حرةً، عصيةً على الانكسارِ، كما كانتْ.
المعركةُ على سيناءَ ليستْ فقطْ معركةَ حدودٍ، بلْ معركةُ وعيٍ، وسيادةٍ، وكرامةٍ وطنيةٍ. سيناءُ ستبقى مصريةً، عصيةً على كلِّ مخططٍ، صامدةً في وجهِ كلِّ مؤامرةٍ، ومُحصَّنةً بتوفيقِهِ اللهِ وبوعيِ شعبٍ لا يقبلُ المساومةَ على ترابِهِ، حفظَ اللهُ مصرَ وشعبَها وجيشَها ورئيسَها من كلِّ مكروهٍ دائمًا وأبدًا.
رئيسُ لجنةِ المرأةِ بالقليوبيةِ وسكرتيرُ عامِّ اتحادِ المرأةِ الوفديةِ
[email protected]