مقدمة:
تحتفل كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، فى هذه الليلة المقدسة، بعيد قيامة السيد المسيح من بين الأموات وبناءً عليها، وُضِع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، كعقيدة إيمانية، منذ فجر المسيحية.
لذلك، أهنئكم تهنئة قلبية، بهذا العيد المبارك، راجياً لكم فيه من الله، ولكنيستنا المقدسة، ولوطننا العزيز مصر، قيادةً وشعباً، ولمنطقة الشرق الأوسط، وللعالم أجمع، كل بركة وخير، وهدوء وسلام وتقدم.
كما أننا ندعم ونؤيد القيادة السياسية للبلاد، فيما تتخذه من مواقف وقرارات، خاصة بالمصالح العليا للدولة المصرية.
أما عن الكلمة، التى أتحدث معكم فيها، فى هذا العيد، فهى عن: القيامة العامة لأجساد البشر، معجزة إلهية، لا مثيل لها.
1 - وفى مقدمة حديثنا، ينبغى أن نشير إلى قدرة الله وسلطانه، فى خلق أبينا آدم وكل نسله، من التراب الذى هو العدم.
ومن هذا التراب، خلق الله جسد الإنسان، الذى يتكون من أجهزة وأعضاء وحواس، كما أنه منح له روحاً إنسانية، أو نفساً عاقلة، منحته الحياة الجسدية، وتميزه عن كل الخليقة الأرضية غير العاقلة، كما ذكر لنا الكتاب عن ذلك، فى سفر التكوين: «وجبل الرب الإله آدم، تراباً من الأرض، ونفخ فى أنفه نسمة حياةٍ، فصار آدم نفساً حية» (تك 2: 7).
ويشير الكتاب المقدس أيضاً، فى سفر المزامير، على خلق الله لآدم وكل نسله، من التراب، فيقول: «لأنه يعرف جبلتنا، يذكر أننا ترابٌ نحن» (مز 103: 14).
ومن اللافت للنظر، قال الكتاب عن خلقة الإنسان بعد خلقه، أن الله خلق الإنسان: «على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم» (تك 2: 27)، (تك 5: 2)، (مت 19: 4)، (مر 10: 6).
وقد يسأل البعض من الناس، ماذا يقصد الكتاب من قوله، عن إن الله خلق الإنسان، على صورته ومثاله؟
فالجواب، نقصد منه أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله، أى خلقه على صورته ومثاله، فى الحرية والإرادة، وفعل البر والقداسة، والصلاح وفعل الخير، والخلود إلى الأبد، فى نفس الوقت.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن الكتاب المقدس أشار إلى أن الله، بعد أن خلق أبوينا الأولين آدم وحواء، أعطى لهما البركة، ولكل نسلهما، هذا يتضح مما قيل: «وباركهم الله، وقال لهم اثمروا وأكثروا، واملأوا الأرض» (تك 1: 28).
ونظراً لنعمة الوجود والخلق، والصورة التى أنعم بها الله، على آدم وكل نسله، لذلك حسدهم الشيطان، وكان حسده سبباً فى التعدى وكسر الوصية الإلهية، وفساد الطبيعة البشرية، وتوريث الخطية الجدية لكل النسل البشرى، وما يترتب عليها من نتائج، بما فيها الموت وبكل أنواعه.
وهنا دخل الموت إلى البشرية، بسبب التعدى وكسر الوصية الإلهية، وذلك بسبب الأكل من الشجرة، المنهى عن الأكل منها.
وهنا أقصد بجانب من جوانب الموت، وهو الموت الجسدى، لأجل أى سبب من الأسباب، وفيه تفارق الروح الجسد، فيموت الإنسان، لأن الروح هى مصدر الحياة للإنسان، ومن هنا جاء قول الكتاب فى سفر الجامعة: «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله، الذى أعطاها» (جا 12: 7).
إذاً الموت، هو لجسد الإنسان فقط، لا لروحه، لأن الروح خُلِقت بطبيعة، لا تقبل الموت على الإطلاق، مهما تعددت أسباب الموت. وتصديقاً لهذا، قال رب المجد: «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، وبعد ذلك ليس لهم، ما يفعلون أكثر» (لو 12: 4)، (مت 10: 28).
وبموت الإنسان جسدياً، وما يترتب على جسده، من نتائج أثناء الموت، ثم يُدفن بعد ذلك، ويرجع إلى التراب الذى خُلق منه، كما قال الرب لأبينا آدم: «حتى تعود إلى الأرض، التى أُخِذتَ منها، لأنك ترابٌ، وإلى ترابٍ تعود» (تك 3: 19).
وبالتالى كما رجع جسد الإنسان إلى التراب، الذى خُلِقَ منه، ترجع أيضاً الروح إلى خالقها، كما أشار الكتاب فى سفر الجامعة، وتُحفَظ فى المكان المعد لها من الله، فإذا كان صاحبها له علاقة بالله، عاملاً بوصاياه، باراً ومستعداً، تذهب روحه إلى فردوس النعيم، أى إلى السماء الثالثة، موضع انتظار الأرواح البارة، إلى يوم القيامة العامة.
أما إذا كان صاحب الروح، التى خرجت من جسده، ليس له علاقة بالله، ولا عاملاً بوصاياه، وغير تائب، بل وشريراً، وغير مستعدٍ، لذلك تذهب أو تهبط روحه إلى الجحيم، إلى أقسام الأرض السفلية، مع الشيطان وملائكته، وبقية غير المستعدين، فى موضع انتظار الأرواح غير التائبة والشريرة، إلى يوم القيامة العامة.
2- وقد يسأل البعض من الناس، هل يمكن أن تتم قيامة لأجساد الناس من بين الأموات، بالرغم مما حدث لها من تعفن وتحلل، وقد لم يتبق منها سوى القليل من العظام، أو لم يتبق؟ بالإضافة إلى العامل الزمنى، الذى تصل مدته إلى عشرات بل وآلاف، وملايين السنين، من موت أصحابها؟!
الجواب: نعم، كما وهب الله بقدرته وسلطانه، خَلق أبوينا آدم وحواء، وكل نسلهما، من التراب والعدم، هكذا الله، لكونه أصل الحياة ومصدرها، فهو يهب القيامة للبشر، من الموت الجسدى، كما قال عنه الكتاب: «الواهب حياةً للعالم» (يو 6: 33).
ويؤكد على ذلك، الرسول بولس فى سفر أعمال الرسل، فيقول عن الله، أنه: «يعطى الجميع، حياةً ونفساً، وكل شىء» (أع 17: 25).
ومن جانب آخر، كما إن فى سلطان الله الموت، هو أيضاً فى سلطانه، أن يهب الحياة للأجساد التى ماتت، وله يشهد الكتاب، فى أكثر من موضع: «أنا أنا هو، وليس إله معى، أنا أميت وأحيى» (تث 32: 9)، وقيل أيضاً فى هذا الشأن: «الرب يميت ويحيى» (1 صم 2: 6).
ونظراً لقدرة الرب، وسلطانه على إقامة الأجساد من الموت، أنبأ داود عن ذلك قائلاً: ((عند الرب السيد، للموت مخارج)) (مز 68: 20).
وأذكر لكم مثالاً، يفيدنا فى موضوعنا هذا، وهو إن كان العلماء، استطاعوا باستخدام النظريات العلمية، أن يتوصلوا إلى فصل العناصر من مركباتها، عن طريق التحليل الكيميائى، أو الكهربائى، مثال لذلك: فصل عنصرى الماء، الهيدروجين والأكسجين، من الماء.
لذلك إن كان البشر، قد توصلوا إلى فصل العناصر من مركباتها، مثل الهيدروجين والأكسجين، من الماء، أفلا يستطيع الله، أن يُرجِع ويقيم جسد الإنسان، من بين الأموات؟!
بلا شك إن الله يستطيع ذلك، لأن الله فى قدرته وسلطانه، يستطيع أن يهب القيامة للأجساد التى ماتت، كما قال عنه الرسول بولس: «الذى يحيى الكل» (1تى 6: 13).
ومفهوم كلمة الأبدية، تعنى التى ليس لها نهاية أزمنة، بل مستمرة ودائمة، إلى أبد الآبدين.
وكل عام وجميعكم، فى ملء الخير، والصحة والسلام.