لم يكن قرار رفع أسعار المحروقات مفاجئًا بالنسبة لكثيرٍ من المواطنين، فى ظل التحديات الاقتصادية التى تواجهها الدولة، لكن ما تبعه من موجاتِ غلاءٍ غير مبررة فى أسعار السلع والخدمات كان بمثابة الصدمة، خاصةً للفئات محدودة ومتوسطة الدخل، التى أصبحت تتحمل عبء الإصلاحات الاقتصادية وحدها، وهنا تبرز ضرورةٌ مُلحة لتدخلٍ حكومى عاجلٍ وفاعل لضبط الأسواق، ووقف هذا الانفلات السعرى الذى لم يعد يُحتمل.
إن العلاقة بين رفع أسعار الوقود وتحرك أسعار السلع والخدمات هى علاقةٌ مفهومةٌ اقتصاديًا، لكن ما يحدث على الأرض يتجاوز المنطق، فهناك من يستغل القرار الحكومى ليضاعف الأسعار دون سندٍ حقيقى أو مبررٍ إنتاجى، مستغلين غياب الرقابة الرادعة، وضعف أدوات المحاسبة، وهو ما يجعل المواطن يتساءل: هل ندفع نحن فقط ثمن الإصلاح الاقتصادى؟ وهل أصبحت السوق حرةً لدرجة أن يتحكم فيها الجشع والمضاربة على حساب لقمة العيش؟
الأسواق اليوم تعانى حالة من الفوضى، فكل تاجرٍ يبيع على هواه، وكل منتجٍ يرفع السعر كما يشاء، والحجة جاهزةٌ دائمًا: «البنزين غلى». لكن عندما ننظر بتَمعُّنٍ، نجد أن بعض هذه السلع لم تتأثر مباشرةً بارتفاع أسعار المحروقات، ومع ذلك ارتفعت أسعارها بصورةٍ جنونية، وهذا ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فى القرار الاقتصادى نفسه، بل فى آلية التعامل معه، وفى غياب منظومةٍ رقابيةٍ صارمةٍ يمكن أن تضبط السوق وتحمى المستهلك.
لذلك الحكومة اليوم مطالبةٌ أكثر من أى وقتٍ مضى، باتخاذ خطواتٍ سريعةٍ وعمليةٍ لحماية المواطنين من جشع بعض التجار، ومن فوضى السوق المفتوح، كذلك تفعيل الأجهزة الرقابية بكامل طاقتها، مع تشديد العقوبات على كل من يثبت تلاعبه بالأسعار، فضلاً عن إعلان تسعيرةٍ استرشاديةٍ للسلع الأساسية، تكون مرجعيةً للمستهلك والتاجر على السواء، وتمنع التقديرات العشوائية للأسعار.
ولا يكفى فقط ضبط الأسواق، بل من المهم أيضًا دعم منظومة الحماية الاجتماعية، وتوسيع مظلة الدعم النقدى للأسر المتضررة، وتوفير السلع الأساسية بأسعارٍ مخفضةٍ فى المجمعات الاستهلاكية، وتكثيف المعارض المدعومة مثل «أهلاً رمضان» طوال العام، وليس فقط فى مواسمَ معينة، فالحفاظ على السلم الاجتماعى يبدأ من حماية المواطن من الجوع والعوز، ومنحه شعورًا بأن الدولة إلى جانبه ولن تتركه فريسةً للسوق.
كما أدعو الحكومةَ إلى أن تتواصل بوضوحٍ وشفافيةٍ مع المواطنين، لشرح أبعاد القرارات الاقتصادية، وأسبابها، وأثرها المتوقع، والخطط الموضوعة للتخفيف من تداعياتها، فالمواطن المصرى واعٍ، لكنه يريد أن يشعر بأن صبره وتضحيته ليست عبثًا، وأن هناك من يقدر معاناته ويعمل من أجل مصلحته.
وفى الختام.. فإن الاستقرار الاجتماعى لا ينفصل عن العدالة الاقتصادية، ولا يمكن لدولةٍ أن تمضى فى طريق التنمية دون أن تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها، وإذا كان رفع أسعار المحروقات جزءًا من خطة الإصلاح، فإن ضبط الأسواق ومواجهة الغلاء ينبغى أن يكون الجزء المكمل لها، فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بما يشعر به المواطن من أمنٍ اقتصادى واستقرارٍ فى حياته اليومية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض