رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نور

من المصادفات المهمة فى حياتى أننى تتلمذت، خلال دراستى بكلية الحقوق، فى نهاية الثمانينيات، على أيدى أساطين فى علم السياسة والاقتصاد والقانون، بعضهم أصبح وزيرًا والبعض الآخر صار برلمانيًا قديرًا أو سياسيًا شهيرًا، منهم الدكاترة فتحى سرور ومفيد شهاب ومحمد الرزاز ومحمود السقا ونعمان جمعة ورفعت المحجوب. والأخير له كتاب مهم - للأسف اختفى من المكتبات - كنا ندرسه فى السنة الأولى وهو كتاب «الاقتصاد السياسي» الذى قادنى إلى معرفة نظرية مهمة لم أكن مررت بها خلال محاولاتى الخاصة بالقراءة فى مرحلتى الثانوية، لأننى كنت - وما زلت - غير ميالٍ للقراءة فى مجال الاقتصاد، ولكن القهر الدراسى جعلنى مضطرًا لمعرفة مبادئ علم الاقتصاد، ومن حُسن الطالع، أن يكون أستاذى فى هذه المادة الجامدة هو الدكتور رفعت المحجوب بنفسه وذات نفسه، فقد تمكن من تحويل الجامدِ إلى لينٍ من خلال شرحٍ رشيقٍ ونادر لمادةٍ صعبةٍ بطبيعتها.. والدكتور المحجوب لمن لا يعرفه، من الشباب والأجيال الجديدة، هو رئيس مجلس الشعب الذى استشهد بعد اغتياله غدرًا فى عام 1990 على أيدى جماعات متطرفة.
المهم.. الدكتور رفعت المحجوب، كان مهتمًا فى كتابه ببعض النظريات الاقتصادية المهمة، ولكن كان اهتمامه الأكبر بنظريتى «المنفعة الحدية» و«الندرة النسبية» ولم يكن يخلو امتحانٌ واحدٌ، كان واضعه الدكتور المحجوب، من سؤال كاملٍ أو جزئى فى هاتين النظريتين، وطبقًا لنصائح زملائنا السابقين لنا فى الدراسة، كنت أحفظ النظريتين عن ظهر قلب، فهما تمثلان سؤالين مضمونين فى الامتحان!!
على المستوى الشخصى.. وجدت فى نظرية «الندرة النسبية» التى درستها فى البداية بحثًا عن ثلاث درجاتٍ أو يزيد فى امتحان دراسى، وجدت فيها ما يتوافق مع ميولى فى معرفة الطريق الأفضل نحو تحقيق النجاح، وقد تسبب هذا الميل، نحو هذه النظرية الاقتصادية البسيطة، فى تغير شديد فى سلوكى الإنسانى، فقد لازمتنى الفكرة بقية حياتى، بل وجعلتنى أطبقها على مسارى المهنى، وأنصح بها أصدقائي!!
النظرية تقول إن الإنسان يحتاج إلى تحقيق التوازن بين الحاجات غير المحدودة والموارد المحدودة وهى نظرية تُنظم الاستهلاك. والمهم هنا هو أن الدكتور رفعت المحجوب- على ما أتذكر وأرجو ألا أكون مخطئًا - لم يكن يُطبق هذه النظرية على الاستهلاك فحسب، بل كان يطبقها على الإنتاج أيضًا، فهو كان مقتنعًا بأن «الميزة النسبية» فى الإنتاج متلازمة مع «الندرة النسبية» فى الاستهلاك! ونظرية الميزة النسبية تعنى التخصص فى إنتاج سلعة معينة واحدة نحقق بها التميز والتنافسية وتحقيق أعلى ربحية دون محاولة التشتت بين منتجات كثيرة ومتعددة لا تمثل لنا تميزًا وبالتالى لا تحقق أعلى ربحية!
وعلى مستوى الدول، يتم تعريف الميزة النسبية بأنها تمثل قدرة الدولة على إنتاج سلعة أو خدمة معينة بكفاءة أكبر من منافسيها وباستخدام نفس القدر من الموارد وتحقيقها للأرباح وتحسين الاقتصاد عن طريق التخصص فى إنتاج وتصدير سلع بعينها.
وحتى لا يسقط القارئ الكريم فى تيه المصطلحات التى قد لا يستوعبها - وأنا معه - يكفى أن نقول اختصارًا، إن المحجوب كان يرى أن تحقيق التوازن بين الحاجات غير المحدودة والموارد المحدودة للدولة يجب أن يسير معه فى نفس الوقت والاتجاه تخصصًا إنتاجيًا تنافسيًا يحقق أعلى ربحية، فإذا كنا متميزين فى السياحة يجب أن ننفق ما يجعل السياحة فى المقدمة لأن إنتاجية السياحة المصرية - إذا تحسنت ظروف عملها بشكل صحيح - ستصبح عالية الربحية بما يجعلنا نستغنى عن موارد منتجات أخرى لا نتميز فيها ولا تحقق ربحية مضمونة. وإذا كنا متميزين- فى مصر- بوجود أفضل أنواع الرمال التى تستخدم فى صناعة الزجاج والبلور والسيليكون والرقائق الإلكترونية فيجب أن نتجه للاستثمار- بأنفسنا- فى هذه الصناعات، بل يمكننا التمييز بين أنواعها وفروعها المختلفة، فإذا كانت صناعة الرقائق الإلكترونية هى الأكثر ربحية فلنتجه لها فى البداية على حساب الزجاج والبلور والسيليكون، على أن تكون المرحلة التالية هى تنفيذ الصناعة التالية فى التميز والتفوق السوقى، فالأولوية للمنتج الأكثر تنافسية والأكثر طلبًا فى السوق وهكذا!
الخلاصة... الدكتور رفعت المحجوب، الذى رحل عن دنيانا قبل 35 عامًا، كان فى نصوص كتابه يميل إلى وجهة نظر مهمة وهى ضرورة تحقيق التوازن بين الحاجات غير المحدودة والموارد المحدودة للدولة مع السير فى نفس الوقت مع الإنتاج المتخصص لأنه أقصر طريق لتحقيق الربحية، وهى وجهة نظر صحيحة، وعلى الدولة أن تحقق التوازن الاستهلاكى، وأن تبحث عن المجال الأكثر تحقيقًا للتميز والربحية فى مصر لتمنحه الرعاية خلال الفترة القادمة.