نبض الكلمات
ما يجرى فى غزة ليس مجرد حرب، بل هو اختبار حقيقى لإنسانية العالم، ومرآة لواقع الشرق الأوسط المأزوم. استمرار هذا المصير الدموى سيؤدى إلى نتائج كارثية على المدى الطويل، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على مجمل استقرار المنطقة. المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل معالجة جذرية للظلم التاريخى الواقع على غزة، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطينى من حقوقه المشروعة فى الحرية والكرامة، تعيش غزة اليوم واحدة من أحلك فصولها التاريخية، إذ تشهد هذه البقعة الصغيرة من الأرض صراعًا دمويًا لا ينفك يزداد عنفًا وتعقيدًا. فالمآسى الإنسانية، والدمار الواسع، والقتل الجماعى الذى تتعرض له غزة، لم يعد مجرد أزمة محلية، بل أصبح له تأثير واضح ومباشر على التوازنات الإقليمية والسياسية فى منطقة الشرق الأوسط ، الحرب الأخيرة، التى بدأت بذريعة أمنية، سرعان ما تحولت إلى حملة عسكرية واسعة النطاق، استهدفت المدنيين، ودمرت الأحياء السكنية والمرافق الصحية والتعليمية. الصور القادمة من غزة تُظهر حجم المعاناة: أطفال تحت الأنقاض، عائلات مشردة، ومآتم لا تنتهى.
فلم تعد تداعيات الصراع فى غزة محصورة فى حدودها الجغرافية، بل أصبح لها أثر بالغ على المنطقه ، كتأجيج الرأى العام ، ومشاهد المجازر والبؤس الإنسانى التى فجّرت الغضب الشعبى فى مختلف دول المنطقة، مما زاد من الضغوط على الأنظمة السياسية لاتخاذ مواقف واضحة تجاه العدوان الإسرائيلى ، واستقطاب سياسى بعد الأزمة، بل عمقت الانقسام بين المحاور الإقليمية، حيث اختلفت مواقف الدول بين داعم للمقاومة، ومحاول للوساطة، وآخرين يلتزمون الصمت أو يبررون ما يحدث، كذلك تهديد الاستقرار الإقليمى، وتزايد التوترات بين أطراف إقليمية، مثل إيران وإسرائيل، وارتفاع وتيرة المواجهات فى مناطق مثل جنوب لبنان والضفة الغربية، ينذر بتوسع الصراع ليشمل أكثر من ساحة ، وأبعاد خطيرة والتأثير على قضايا أخرى بعد انشغال المجتمع الدولى كله بالأزمة فى غزة، صرف الأنظار عن قضايا أخرى لا تقل خطورة فى الشرق الأوسط، مثل السودان وسوريا واليمن، مما يزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية فى هذه الدول وفى المنطقة كلها.
إن استمرار الإبادة فى غزة، ووجود جماعات متطرفة فى سوريا، يهددان بإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة ومفزعه، مشهد مظلم لم يسبق له مثيل ليس فيها مكان للعدالة أو الاستقرار. إن التصدى لهذا المصير المظلم يتطلب إرادة سياسية دولية حقيقية، هذا إن وجدت أصلا تبدأ بوقف الحروب، ومحاسبة المجرمين، ودعم الشعوب فى بناء دول مدنية عادلة تحفظ حقوق الإنسان ، شعارات أصبحنا نسمع عنها فى المؤتمرات ، هذه الجرائم تُرتكب أمام أنظار العالم، وسط صمت دولى مريب، مما يغذى مشاعر الغضب والاحتقان، ويزيد من فقدان الثقة فى النظام العالمى القائم على ازدواجية المعايير، فى الوقت ذاته، ما تزال سوريا تمثل أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا. فمع انهيار الدولة المركزية، تحولت مناطق واسعة إلى مساحات مفتوحة تسيطر عليها جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش، وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، وغيرها من الفصائل ذات الأجندات الدينية أو الطائفية ، مشاهد مفزعة نراها علنا على أرض سوريا، الصراع طائفى الى اقصى حدود وأصبحوا يهددون المسيحيين علنا وإخضاعهم بالقوه لترك المسيحية.
تغذية هذا الواقع جاء نتيجة الصراع الطويل، والتدخلات الخارجية، وتجاهل المجتمع الدولى لمطالب الشعب السورى فى بدايات الثورة، مما أتاح للجماعات المسلحة أن تملأ الفراغ وتفرض أيديولوجيات متطرفة على المدنيين.
المفارقة المؤلمة فى مسرح الأحداث المتوشح بالسواد ، ومحاصر بالضباب، إن ما يوحد غزة وسوريا هو الفوضى، والدمار، وغياب العدالة. فى الحالتين، يدفع الاطفال والنساء وشباب فى عمر الزهور والكبار الثمن الأكبر، بينما تتحكم القوى الكبرى والإقليمية بمسار الأحداث لأهدافها الاستراتيجية وتحقيق مصالح وأهداف ليس لها علاقة خالص بمعايير الانسانية أو العدالة كما يدعون، وليس من أجل السلام. فى غزة، تُستخدم القوة العسكرية لإخضاع شعب يطالب بحقه فى الحياة والحرية، فى سوريا، استُخدم السلاح، والطائفية، والدين، لتفتيت مجتمع متماسك وتحويله إلى ساحة صراع دائم وهذه بداية الخطه الشيطانية للنيل من مخطط أكبر، وفى ظل الخريطة السياسية الدموية الجديدة، لم تعد الحدود تضمن الأمن، ولم تعد الدولة وحدها قادرة على حماية نفسها دون تحالفات واستراتيجيات مدروسة ، أمام مصر خياران ، إما أن تراقب المشهد بصمت حتى يقترب الخطر من عمقها، أو أن تبادر بتفعيل دورها الإقليمى بقوة، عبر أدوات دبلوماسية، أمنية، واقتصادية، لتمنع النار من الوصول إلى دارها وللحديث بقية.
سكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية ورئيس لجنة المرأة بالقليوبية.
magda [email protected]