نور
نعرف أن القانون لا يحمى المُغفلين، ولكننا لا نريد أن نقسو على ضحايا منصة FBC التى قامت بالنصب على مئات الآلاف من المصريين، والذين دفعوا للمنصة طبقًا لما نشرته المصرى اليوم أمس ما يقرب من ستة مليارات دولار أمريكي!
ولا أعرف كيف تمكن سائق توك توك هو المتهم الرئيسى فى الواقعة من جمع هذا المبلغ الضخم من المصريين، دون أن يهتز رمش إحدى الضحايا ويقول لنفسه: كيف أدفع تحويشة العمر فى منصة لا أعرف صاحبها ولا أعضاءها، ولا توجد ضمانات تحمى أموالي، التى تم دفعها عبر تحويلات الكترونية؟!
والسؤال الأهم: هل ما زال بين المصريين هذا العدد الكبير من الناس، يسعى للثراء بلا عمل؟ ويرفض الاستثمار لأن هذا العمل يلزمه بالمخاطرة سواء كان يعمل فى التجارة أو الصناعة أو الإنتاج عبر المشروعات الصغيرة؟ ولماذا يهرول مئات الآلاف نحو المخاطرة باستثمار الأموال لدى المجهول لمجرد أنه استثمار بدون عمل ولا تعب أو تخوف من تقلبات السوق؟ هذه هى أسوأ الأسئلة التى طرحتها عملية النصب عبر منصة FBC، خاصة أن الواقعة تتكرر ولم ننجح فى إيقافها عبر أربعين عامًا من الكر والفر مع نماذج كثيرة بدءًا من الريان مرورًا بالمستريح وصولًا إلى منصة FBC الأخيرة!!
الغريب أن بطل القصة والمتهم الرئيسي، لا يفهم كثيرًا فى التكنولوجيا ولكنه استعان بمن يفهمون فى فنياتها ليحقق غرضه، وكما أوردت المعلومات فإن المتهم المقبوض عليه من محافظة البحيرة، وتم ضبطه بالتعاون بين ضباط الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية وضباط مباحث البحيرة، وهو شاب عمره 36 عامًا، ويعمل سائق «توك توك» ويقيم بقرية فى مركز أبوحمص بمحافظة البحيرة.. ويتم التحقيق معه حاليًا فى القضية أمام نيابة الشئون المالية والتجارية بمكتب النائب العام فى البلاغات التى تتهمه وآخرين بإطلاق منصة إلكترونية بمسمى FBC عبر شبكة الإنترنت وقيامهم بالاحتيال على جمهور المنصة والاستيلاء على أموالهم بزعم استثمارها لهم فى مجال البرمجيات والتسويق الإلكترونى وإيهامهم بمنحهم أرباحًا مالية مزعومة.
عمومًا.. الرقم تم جمعه من الضحايا، هو رقم مُذهل.. ومرعب.. وُمخيف.. لأنه يعنى أن بيننا مئات الآلاف من الناس، لا يريدون العمل ويبحثون عن المكسب السريع، لا يريدون بذل الجهد، ولكنهم يقبلون المخاطرة غير المحسوبة، ولديهم استعداد لتسليم أموالهم لشخص مجهول الهوية بغض النظر عن مهنته بدلًا من وضعها فى البنوك أو القيام بفتح مشروع صغير مُنتج يسهم فى تحريك عجلة الإنتاج، ولذلك يجب أن نبحث عن الأسباب التى تتكرر، ويجب أن نفهم الدوافع لهذا الانتحار المالى، فالضحايا سقطوا وضاعت أموالهم للأسف بلا رجعة مثلما قال اللواء محمود الرشيدى، مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات الأسبق، لبرنامج صالة التحرير على صدى البلد، لأن الأموال التى يتم تحويلها إلى هذه المنصات يكون من الصعب استردادها، نظرًا لأن الضحايا يدخلون هذه الاستثمارات بمحض إرادتهم.
نعود للسؤال: لماذا يسقط الناس دائمًا فى كمائن وأفخاخ النصابين رغم سقوط آلاف الضحايا؟ ولماذا لا يتعلم غيرهم ويواصلون السقوط فى نفس الشِرك؟!
السبب الأول.. يرجع إلى أن الفكرة التى يتم ترويجها منذ السبعينيات حول فوائد البنوك وكونها تخالف الشرع ما زالت راسخة فى أذهان عدد كبير من الناس، ورغم الخلاف حول مدى صحة أو عدم صحة «الحصول على قرض» من البنك مقابل فائدة، وتخوف عدد كبير من رجال الدين الإسلامى فى مصر من الاقتراب منها بسبب الحديث عن الربا وشروطه وهى مسألة نتفهم أسبابها، إلا أن عددًا كبيرًا منهم ما زال يخشى الهجوم عند الحديث عن «إيداع» الأموال فى البنوك، ويخشون القول بأنها «حلال حاسم» ورغم ذلك ما زال هذا الصوت ضعيفًا ينطلق بخجل، لأسباب لا أعرفها، فهل السبب هو ضعف فى أدوات النقاش من المتحدث، أم تقصير منا جميعًا؟ فالبنوك التى تعمل بالنظام المصرفى المُسمى بالإسلامي، تمنح الناس فوائد متغيرة، ولكنها تتعامل بنفس نظام البنوك التى يقول عنها المنتمون للتيار الدينى بأنها ربوية، ومع ذلك لا يهاجمون «فوائد» البنوك الإسلامية لمجرد أن مسماها «أرباح»!! ويجب أن تلاحظ أن أصحاب منصة FBC كانوا يسمون فوائدهم أرباحًا ناتجة عن الاستثمار فى البرمجيات!!
هذه الفرضية جعلت قطاعًا كبيرًا من المصريين والمسلمين فى العالم يبحث عن منهج آخر غير مصرفى للبحث عن ربح سريع، ولكنه للأسف غير آمن!!
السبب الثانى المؤدى لسقوط الناس فى كمائن النصب.. سأطرحه فى صيغة أسئلة تبحث عن إجابات: لماذا يتخوف من يقبلون بفوائد البنوك نتيجة إيداعهم لأموالهم فيها من إيداع هذه الأموال فى المصارف الرسمية؟ هل يخشون من تغير سعر الصرف؟ وهل هذا التخوف ما زال موجودًا رغم ارتفاع الفوائد وتجاوزها ما قيمته 25%؟ هل هناك قطاع من المصريين يعتقد أن هذه النسبة ستفقد قيمتها إذا ما تم تغيير سعر الصرف مجددًا؟ هل الأمر يتطلب طمأنة للسوق وللمتعاملين مع القطاع المصرفى لكى يدرك الجميع أن التعامل مع البنوك هو الأكثر أمنًا بدلًا من إيداع الأموال عند سائق توك توك قام بجمع مليارات الجنيهات فى وقت قصير؟!
أرجوك لا تضع أموالك لدى أفراد مجهولى الهوية.. ضعها فى مصارف مصر الرسمية.. فالمال الذى يدخل البنوك هو مال آمن!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض