كبسولة فلسفية
حاولنا خلال كبسولة سابقة حملت عنوان "القراءة.. المفتاح الأول لفهم النص الفلسفي"، تقديم شرح وتحليل مبسط عن أهمية القراءة كأداة تمكنا من الدخول للنص، والوصول للفهم الصحيح، دون ملل أو ركاكة فكرية، ومع توالي مقالاتنا تحت عنوان كبسولة فلسفية، وجدنا أنفسنا أمام تساؤل هو، هل هناك علاقة تربط بين القارئ وكاتب النص؟ هل عملية أنتاج النص تتوقف على الكاتب فقط، والقارئ مجرد مُسَتَقَبِلَ لهذا النص؟
عزيزي القارئ مهما تكن إستراتيجيات القراءة فإنها ترتبط بإعادة الكتابة، ولا يمكننا في هذه الحالة فصل القراءة عن الكتابة، فالكتابة بهذا المعني تُقَدِم نفسها مقرؤه يمكن تأويلها. وفي حين تكسب القراءة النص ثابتًا وديمومة، فإنه يدوم كلما داومنها على قراءته، وهو يتعدد بتعددها. وتعد القراءة في النقد الغربي المعاصر هي إحدى صور النظرية النقدية، فمن التمركز حول المؤلف إلي التمركز حول النص، وصولًا إلى التمركز حول القارئ. ولكن هل هناك اتجاه فكري استطاع دراسة هذه العلاقة؟
صديقي القارئ شهد تمركز النظرية النقدية حول القارئ اختلافات شتى في تصور الباحثين للقارئ والقراءة. لذلك أكتسب مفهوم الكتابة / القراءة مع البنيوية (منهج فكري نقدي يرمي إلى أن كل ظاهرة إنسانية كانت أو أدبية لا يمكن دراستها إلا بعد تحليلها إلى عناصرها المؤلفة منها) بعدًا أوسع في تحليلات ما بعد البنيوية، وكان التركيز على المفهوم مرتبطًا بانتقال بؤرة الاهتمام من المؤلف (بوصفه المصدر) والعمل (بوصفه موضوعًا) إلى شبكة العلاقات المتناسقة التي ينطوي عليها النص فصارت الكتابة منظومة من القواعد التي تنطوي عليها تفاعلات نصية منفتحة دائمًا على التفسير، تحمل معاني على التولد على النحو والذي يسفر عنه إسهام القارئ في إنتاج الدلالة وقد صارت القراءة قرينة النص المنغلق الذي ينطوي على معني ثابت، والذي يبقي على سلبية القارئ عند إنتاج الدلالة.
ولهذا يُعد اختراع الكتابة بمثابة ثورة في تاريخ الفكر الإنساني، ولا غرابة من أن تُحَقَقَ الكتابة نصرًا كبيرًا في وقت أصبحت في الميتافيزيقا موضع هجوم، ذلك أن التصورات الميتافيزيقية لابد وأن تتخذ في الكتابة أو اللغة وسيلة لنشأتها وتداولها، فإذا كان استخدام التصورات الميتافيزيقية يجعلنا ننخدع فنضفي على الوجود منطلقًا من صنعنا، فذلك لأننا كائنات تستخدم اللغة، وعلى ذلك يمكن القول بأن الطابع الذي يطبع الميتافيزيقا هو ثقتها في الكتابة واعتقادها بأن اللغة خطاب موجه إلى البشر وليس كلامًا صادرًا عنهم. وماذا عن مُسَتَقَبِلَ السطور؟
صديقي القارئ نَقَصِدَ بهذا المُسَتَقَبِلَ "العقل"، فينظر العقل إلى الكتابة كوسيلة للتعبير، أو الجسر الذي يسمح بعبور المعاني، مستخدمًا المجاز الذي يقوم بنقلها، وتتخذ الكتابة وجهة مختلفة في نقل المعاني وتمثيلها، غير أن العقل ينفي مادية الكتابة، حيث يعطي أسبقية زمانية – منطقية – شرفية لفكر على المادة والنفس على الجسم، وحضور المعني الأصلي خلال عملية التأليف. كما تحفل الكتابات النقدية المعاصرة باستراتيجيات قرائية متنوعة، منها ما يندرج تحت باب البنيوية بمختلف اتجاهاتها، ومنها ما ينطوي تحت باب القراءات التفكيكية والاتجاهات ما بعد البنيوية.
وبالرغم من اختلاف القراءات الجديدة عن المناهج القرائية التقليدية، فإن استخدام مصطلح القراءة في بعض الكتابات يبدو عفويًا لعدم وجود منهجية للقراءة. وتقوم مراوغة الكتابة على غياب الحضور وتحويله إلى حضور متحرك يستند إلى الاختلاف بدلًا من التطابق والوحدة، حيث ترتبط الكتابة بمفهوم التحول المستمر وكتابة النسيان الذي ينتج عن تقادم الزمان، وهي بذلك إنما تمنح الأولوية للعلامة أو الأثر على الصوت واللوجوس، ولذلك تقوم الكتابة على قراءة الواقع باعتباره كتابًا مفتوحًا يعطي للقارئ معانيه بشكل مباشر. وفي عبارة واحدة، ستظل عملية القراءة والكتابة متلازمتنا لكلًا من الكاتب مُؤَلِّفُ النص والقارئ مُسَتَقَبِلَ هذا النص، فلكل منهما أدواته التي تمكنه على خلق نص من نص آخر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض