حكم التأمين على الحياة بالشرع والسنة
التأمين على الحياة.. قالت دار الإفتاء المصرية إن التأمين على الحياة أمرٌ جائزٌ شرعًا، وهو في جملته تكاتُفٌ وتكافُلٌ وتعاوُنٌ على البِر والإيثار، وجارٍ على أصول مكارم الأخلاق التي تتلاقى معانيها ومقاصدها معَ ما وردت به الشريعة.
التأمين على الحياة
وأوضحت الإفتاء أن الشرعُ الشريفُ حث المسلمين على التراحمِ والترابطِ والتعاون فيما بينهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه مِن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، إلى غير ذلك مِن النصوص الواردة في هذا الباب، و"فائدة التعاون: تيسير العمل، وتوفير المصالح، وإظهار الاتحاد والتَّنَاصُر حتى يُصبح ذلك خُلُقًا للأُمَّة"، كما قال شيخ الإسلام الطاهر بن عَاشُور في "التحرير والتنوير" (6/ 88، ط. الدار التونسية).
وقد وضعَ الشرعُ للناسِ نظامًا اجتماعيًّا قويمًا، يُسهِمُ في سدِّ حوائجِ المحتاجين وتفريجِ كرباتهم، فأوجبَ الزكاة مثلًا وجعلَهَا مِن أركانِ الدِّين، وحثَّ على الصدقات وبيَّن أنها مِن أعظمِ أبوابِ الخيرِ وأفضل صور التكافل والتعاون.
معنى التأمين على الحياة
ومن صور التكافل والتعاون في عصرنا الحاضر ما يُعرف بـ"التأمين"، وهو عبارةٌ عن "عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عِوَضٍ ماليٍّ آخر، في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المُبَيَّن بالعقد، وذلك في نظير قسطٍ أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن"، كما عَرَّفَتْهُ المادة (747) من القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948م.
حكم التأمين على الحياة والأدلة على ذلك
من جملة أنواع التأمين: ما يُعرف بـ"التأمين على الحياة"، والتكييف الفقهي المختار لهذا النوع أنه عقدُ تبرُّعٍ قائمٌ على التكافل الاجتماعي والتعاون على البِرِّ، وليس بعقدِ معاوَضة، حيث يتبرع المُؤَمَّن له بالقسط المدفوع، في مقابل تبرع المؤمِّن بقيمة التأمين.
والتأمين على الحياة بهذا الوصف عقدٌ جائزٌ شرعًا بعموم الأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنة:
أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وكلمة "العقود" عامةٌ تشمل كلَّ عقد، ومنها عقد التأمين على الحياة وغيره، ومن المقرر أن الأصل في العقود والمعاملات الإباحةُ، ما لم يأتِ دليلٌ شرعيٌّ على التحريم، كما في "المبسوط" لشمس الأئمة السَّرَخْسِي الحنفي (23/ 92، ط. دار المعرفة)، و"حاشية الإمام الدُّسُوقِي المالكي على الشرح الكبير" (2/ 217، ط. دار الفكر)، و"كفاية النبيه" للإمام ابن الرِّفْعَة الشافعي (9/ 311، ط. دار الكتب العلمية)، و"شرح منتهى الإرادات" للإمام أَبِي السعادات البُهُوتِي الحنبلي (2/ 56، ط. عالم الكتب).
التأمين على الحياة
وأمَّا السُّنة: فقد روي عن عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ الضَّمْرِيِّ قال: شهدتُ خُطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمِنًى، وكان فيما خَطَب: «وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ» أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، والدارقطني والبيهقي في "السنن".
فجَعَل سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم طريقَ حِلِّ المال أن تسمح به نفسُ باذِلِهِ من خلال التراضي، والتأمين يتراضى فيه الطرفان على أخذ مالٍ بطريقٍ مخصوصٍ لا غرر فيه ولا ضرر، فيكون حلالًا.
وعن سيدنا عليٍّ أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه دخل على رجل من بني هاشم يَعُودُهُ، فأراد أن يوصي، فنهاه، وقال: "إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180]، وَإِنَّكَ لَمْ تَدَعْ مَالًا، فَدَعْهُ لِعِيَالِكَ" أخرجه الإمام ابن أبي شيبة في "المصنف".
التأمين على الحياة .. وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال لها رجلٌ: إني أريد أن أوصي، قالت: "كَمْ مَالُكَ؟" قال: ثلاثة آلاف، قالت: "كَمْ عِيَالُكَ؟" قال: أربعة، فقالت: "قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180]، وَإِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ، فَاتْرُكْهُ لِعِيَالِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ" أخرجه الإمامان: ابن أبي شيبة في "المصنف"، والبيهقي في "السنن الكبرى" واللفظ له.
قال الإمام أبو الحسن بن بَطَّال في "شرح صحيح الإمام البخاري" (8/ 144-145، ط. مكتبة الرشد): [ولم يكن لسَعْدٍ إلا ابنة واحدة كما ذكر في هذا الحديث، فدَلَّ هذا أنَّ تَرْكَ المال للورثة خيرٌ من الصدقة به، وأنَّ النفقة على الأهل من الأعمال الصالحة... قال ابن المُنْذِر: فدَلَّت هذه الآثارُ على أنَّ مَن تَرَك مالًا قليلًا، فالاختيار له تَرْكُ الوصية وإبقاؤه للورثة] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض