كبسولة فلسفية
عُرِفَ مصطلح الأيديولوجياIdeology في أواخر القرن الثامن عشر، حينما اُستُخدِم في المعهد القومي للعلوم في فرنسا لأول مرة مصطلحًا يوصف به العلم الذي يدرس كيفية تكون الأفكار. وتتكون كلمة الأيديولوجيا من جزئين هما "ايديا" وتعني فكرة، و "لوجيا" وتعني علمًا، وبالتالي يُقصد بهذا المصطلح علم الأفكار، وسنحاول خلال مقالنا هذا تقدِم تحليل مفصل لمفهوم الايدولوجيا، كما أظهرته أقلام الفلاسفة والمفكرين.
عزيزي القارئ ظهر مصطلح الأيديولوجيا للمرة الأولى على قلم المفكر الفرنسي أنطوان ديستو دو تراسي (1754 – 1836) وذلك في كتاب له بعنوان "مذكرة حول ملكة التفكير"، ثم توسع في شرح هذا المصطلح ضمن كتاب آخر عنوانه "تخطيط لعناصر الأيديولوجيا". وقد عَرَفَ هذا الكتاب الأخير الأيديولوجيا بأنها "العلم الذي يدرس الأفكار"، بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، أي مجمل واقعات الوعي من حيث صفاتها وقوانينها وعلاقتها بالعلائم التي تمثلها لاسيما أصلها.
وكان هدف دو تراسي من وراء صياغته لمصطلح الأيديولوجيا كان بلورة مشروعه الطموح في تأسيس علم جديد يختص بدراسة الأفكار بمنهجية تريد أن تكون مغايرة للطرق التقليدية التي كانت تقوم أساسًا على مبدأ اعتبار النشاط الفكر مظهرًا من مظاهر النشاط النفسي، حيث يؤكد دو تراسي في هذا الخصوص على أهمية إدراك التعارض القائم بين ما يسميه "الميتافيزيقا" اللاهوتية القديمة، أو الميتافيزيقا بالمعنى الحقيقي للكلمة، والميتافيزيقا الفلسفية الحديثة، أو الأيديولوجيا.
وقد استخدم كارل مانهايم (عالم اجتماع مجري) مصطلح "الأيديولوجيا" للإشارة إلى أي نسق فكري محافظ (يسعى لاستعادة الماضي). ورغم ذلك أصبحت دراسة الأيديولوجيا واحدة من أهم موضوعات علم الاجتماع المعرفة، وعلم اجتماع العقائد، وعلم الاجتماع السياسي. لكن الدلالة المقصودة للمصطلح من بين الدلالات المختلفة، تتحدد في السياق الفكري لمن يستخدمها.
كما عَرَفَ الفيلسوف الفرنسي لوي بيير ألتوسير الإيديولوجيا، بأنها منظومة من التمثلات (صور – أساطير – أفكار أو مفاهيم حسب الحالات) المتمتعة بنوع من الوجود، وبدور تاريخي في مجتمع محدد. وبدون أن نتطرق إلى مشكل العلاقات بين العالم وماضيه، نقول بأن الأيديولوجيا، من حيث هي منظومة من التمثلات، تتميز عن العلم من حيث إن الوظيفة العملية – الاجتماعية تتغلب فيها على الوظيفة النظرية (أو وظيفة المعرفة). بينما عَرَفَ الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون الأيديولوجيا، بأنها منظومة شاملة لتأويل العالم التاريخي – السياسي.
ومع صدور مُؤَلَّفُ ماركس "الأيديولوجيا الألمانية"، نجد فيه التطبيق العملي لهذا المصطلح، حيث أظهر الأيديولوجيا بوصفها مفهومًا اجتماعيًا. ورأى أن البناء الثقافي هو نتيجة للبناء الاقتصادي في المجتمع وأن السبب الذي يجعل أفكار طبقة ما مثل الطبقة الحاكمة أفكارًا أيديولوجية، هو كون هذه الأفكار تخفي أشياء تعمل في صالح الطبقة الحاكمة، ويظهر هذا بشكل واضح في نهاية الفصل الأول من كتابه "رأس المال".
ومن هنا تظهر فكرة الصنمية Fetishism أو تقديس السلع، ذهب ماركس إلى أن المنتجات التي يُبدعها العقل الإنساني داخل هذا العالم ذات كيانات مستقلة تدب فيها الحياة وتدخل في علاقات مع بعضها البعض ومع الأنسان من ناحية أخري، وانتهى إلى أن ما يحدث في مجال الأفكار، يشبه ما يحدث في عالم السلع مع منتجات عمل الأفراد. وينتهي من هذا كله إلى أن تصورات الأفراد لما يحدث في الواقع هي في الواقع عمليات بيع وشراء الأشياء التي تكمن قيمتها في جوهر هذه الأشياء ذاتها، أما القيم التي تنتج عن ذلك هي نتيجة للعلاقات التي تنشأ بين البشر في أثناء عملية الشراء والبيع. فهذه الفكرة ساعدت، بل ساهمت أيضًا في توجيه كثير من البحوث لدراسة العلاقة بين حقل الأفكار وغيره من حقول السياسية والاقتصادية.
وأخيرًا، نجد أن الأيديولوجيا هي ذلك النشاط الفكري، الذي ينقلنا من التساؤل المعتاد وهو كيف نفكر تفكيرًا سليمًا؟ إلى سؤال آخر: كيف نفكر؟ أي أن هذا العلم يحاول إعادة تأسيس حياة الإنسان على كافة الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض