تمر علينا هذه الأيام ذكرى رحيل واحد من أعظم زعماء مصر، رجل الأمة وقائد ثورة 1919، سعد باشا زغلول، الذي رحل عن عالمنا في 23 أغسطس 1927، تاركا وراءه إرثا وطنيا خالدا، وشعبية لم يحظ بها أي زعيم مصري قبله، حتى أطلق عليه المصريون «زعيم الأمة»، ولقبوا زوجته العظيمة صفية زغلول ب«أم المصريين»، التي وقفت بجانبه في كل مراحل حياته السياسية والوطنية.
ولد سعد زغلول في يوليو 1858 في قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ، نشأ يتيم الأب قبل أن يتم الخامسة من عمره، فتكفل به خاله عبدالله بركات، وتلقى تربيته في بيت والدته مريم بنت الشيخ عبده بركات، واحدة من عائلات كبار الملاك في المنطقة.
وفي عام 1895 تزوج من صفية زغلول، ابنة مصطفى فهمي باشا، وزير ورئيس وزراء سابق، لتصبح شريكة دربه في النضال الوطني.
بدأ سعد تعليمه في الكتاب، حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، ثم التحق بالجامع الدسوقي عام 1870 لتجويد القرآن، وبعدها بالازهر الشريف عام 1873، حيث تلقى علوم الدين وحضر دروس المفكر الإسلامي الكبير جمال الدين الأفغاني، وتأثر بفكره الذي علمه حرية البحث والتفكير النقدي، مما ساعده لاحقا على أن يصبح خطيبا بارعا وأديبا سياسيا، وصديقا للشيخ محمد عبده، الذي تتلمذ على يديه وتعلم فنون الخطابة والسياسة، وأصبحوا شركاء في النضال الوطني رغم الفارق العمري بينهما.
دخل سعد الحياة العملية مبكرا، فعمل في «الوقائع المصرية» محررا للأخبار والأحكام القانونية، ثم تولى مهام معاون بنظارة الداخلية، ولاحقا ناظر قلم الدعاوي في الجيزة.
شارك في الثورة العرابية عام 1881، داعما مطالب الوطنيين في مواجهة الخديوي توفيق والاحتلال الإنجليزي، فأبعد من وظيفته واضطر للعمل بالمحاماة، لكنه سرعان ما برز فيها وأصبح أحد رموزها، مؤسسا للقانون والمحاماة الحديثة، ومساهما في رفع مكانة المهنة، قبل أن يلتحق بسلك القضاء ويصبح مستشارا ومحاميا معروفا، ناظرا للمعارف ثم للحقانية، وعمل على تطوير التعليم، وزيادة ميزانيته، وإنشاء الجامعة المصرية، مؤكدا على التعليم باللغة العربية ومكافحة الأمية، مسهما بذلك في صناعة جيل جديد من المصريين الواعيين والمثقف.
مع نهاية الحرب العالمية الأولى، اتخذ سعد زغلول موقفا تاريخيا، فدعا لتشكيل الوفد المصري، وجمع توكيلات من الشعب ليكون ممثلا شرعيا له في مواجهة الاحتلال البريطاني، وسعى لعرض مطالب الاستقلال على مؤتمر الصلح في باريس، غير أن بريطانيا رفضت مطالب الوفد، فتم اعتقال سعد ونفيه إلى مالطا، ما أشعل ثورة 1919 في كل مصر.
وشارك فيها طلاب المدارس وطلبة الأزهر والعمال والفلاحين، بل وحتى النساء تحت قيادة صفية زغلول، فاضطر الإنجليز للإفراج عنه وإعادة الوفد لمواصلة نضاله من باريس ومن مصر.
لم يتوقف سعد عند هذا الحد، بل قاد المفاوضات مع بريطانيا لإلغاء الحماية وإقرار استقلال مصر، رفض الاستقلال الشكلي ورفض كل التنازلات التي تهدر حقوق مصر، حتى صدر تصريح 28 فبراير 1922 الذي منح مصر استقلالا شكليا، لكنه ترك للشعب الحق في وضع دستور 1923 الذي جعل الأمة مصدر السلطات.
وعقب ذلك، قاد سعد زغلول أول وزارة شعبية دستورية في تاريخ مصر عام 1924، وأسس حكومة وطنية حقيقية، سعت لتعزيز الهوية المصرية، وتحسين التعليم والصحة، وترقية الاقتصاد الوطني، وتعزيز دور المحاماة والقضاء، وفرض السيادة المصرية على مؤسسات الدولة، ومواجهة التدخلات الأجنبية.
رحل سعد باشا زغلول في 23 أغسطس 1927، لكنه ترك إرثا خالدا، وصوتا يردد إلى اليوم «الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة»، و«إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية»، و«العرب مش سوى صفر + صفر = صفر»، كلها عبارات تعكس حبه لوطنه، وحرصه على استقلاله وكرامة شعبه.
ضريحه المعروف بـ «بيت الأمة» أصبح رمزا للوطنية المصرية، وملاذا لكل من أراد أن يقرأ تاريخ نضال شعب رفض الخضوع للظلم، وناضل من أجل الحرية والكرامة والسيادة الوطنية.
سعد زغلول لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان روح مصر النابضة في زمن الاحتلال، ومعلم الأجيال على أن الوطن حق، وأن الكرامة لا تمنح، بل تنتزع بالإرادة والشجاعة والإصرار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض