رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

البابا يؤانس التاسع عشر، شخصية لا يمكن أن تنسى في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط لأنه رأس الكنيسة القبطية في زمنه، بل لأنه كان صوتا قويا ومثالا حيا للمشاركة الوطنية الحقيقية في بناء دولة تعد الجميع، لكل مواطن فيها حقوقه ومكانته. 

في وقت كانت فيه مصر تمر بتحولات سياسية واجتماعية كبيرة، كان البابا يؤانس يؤمن بأن دور الكنيسة ليس مجرد شعائر وطقوس، بل مسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، وأن حماية حقوق الطائفة المسيحية جزء لا يتجزأ من بناء مصر الحديثة.

حين نتحدث عن البابا يؤانس، نتحدث عن رجل عاش حياة مكرسة للكنيسة وللوطن معا، رجل فهم أن الحقوق الدينية ليست فقط مسألة طقوس، بل هي حجر الأساس الذي يقوم عليه التعايش والسلام بين المصريين من مختلف الديانات والمذاهب. 

مشاركته في لجنة الثلاثين لصياغة دستور 1923 كانت لحظة فارقة، لحظة أثبت فيها أن التزامه الوطني لا يقل عن التزامه الديني، كان حريصا على أن تضمن المواد الدستورية حرية الدين والممارسة الدينية، وأن يكون لكل مصري الحق في ممارسة شعائره دون خوف أو تمييز.

في تلك الفترة الحرجة، كان المجتمع المصري بحاجة إلى قادة يمتلكون رؤية أعمق من السياسة اليومية، قادة يفهمون أن مصر ليست ملكا لفئة أو طائفة، بل هي وطن للجميع. 

وهنا يبرز البابا يؤانس كرجل دولة حكيم، لا يكتفي بالدور الروحي للكنيسة، بل يمتد ليكون مدافعا عن الحقوق الأساسية لكل مواطن، حرصه على حماية حقوق الطائفة القبطية لم يكن مجرد حرص طائفي، بل كان تعبيرا عن إيمانه بأن مصر يمكن أن تكون بلدا متسامحا يضم جميع أبنائه في كنف العدالة والمساواة.

ما يميز البابا يؤانس أيضا هو الطريقة التي كان يتعامل بها مع الآخرين، لم يكن متعاليا على أي أحد، ولم يكن دوره مجرد توقيع على مواد دستورية، بل كان يشارك في الحوار والمناقشة بعقل منفتح وروح وطنية صادقة. 

لقد أدرك أن المشاركة الحقيقية في بناء دستور جديد تحتاج إلى فهم حاجات جميع المصريين، وإلى رؤية شاملة تتجاوز الانتماءات الضيقة، لتضع أساسا لدولة حديثة قائمة على الحقوق والواجبات، على الاحترام المتبادل والتفاهم بين كل المكونات.

الإرث الذي تركه البابا يؤانس التاسع عشر يتجاوز حدود الكنيسة أو الطائفة، فهو يظل رمزا حيا للمشاركة المسيحية في بناء الدولة المصرية الحديثة، رمزا للحكمة والتوازن بين الدين والوطن، بين الالتزام الروحي والمسؤولية الوطنية. 

إننا عندما نتذكره، نتذكر ليس فقط الرجل الديني، بل المواطن الواعي، القائد الحكيم، والمثقف الذي فهم أن القوة الحقيقية للوطن تكمن في احترام حقوق الجميع، وفي ضمان حرية المعتقد والممارسة الدينية لكل مصري.

لقد ترك البابا يؤانس نموذجا رائعا للتعايش الوطني، نموذجا يمكن أن نستفيد منه حتى اليوم، ففي زمن تتعقد فيه الأمور السياسية والاجتماعية، وفي وقت قد يغلب فيه التنافس والمصالح الضيقة على مصلحة الوطن، يمكننا أن نستلهم من شخصيته مثالا على كيف يكون الوطني الحقيقي. 

الوطني الذي يفكر في الجميع، والذي يدافع عن الحق والعدالة دون محاباة، والذي يرى في كل مواطن جزءا من جسد الوطن الواحد، يعمل على تقوية النسيج الاجتماعي ويعزز روح الانتماء والانصهار الوطني.

وبينما نقرأ تاريخ البابا يؤانس التاسع عشر، نجد فيه رسالة واضحة لكل الأجيال: أن الوطنية ليست مجرد شعارات ترفع، بل أفعال تمارس. 

أن خدمة الوطن تبدأ بحماية حقوق أبنائه، وأن التعايش الحقيقي يحتاج إلى قائد يمتلك رؤية تتجاوز مصالحه الشخصية، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، إن ذكراه ليست مجرد حكاية عن رجل دين، بل درس حي في المسؤولية، في الوفاء للوطن، وفي الشجاعة على الدفاع عن الحق والمساواة.

في النهاية، يظل البابا يؤانس التاسع عشر رمزا لكل مصري يؤمن بحقوق الجميع في وطنه، رمزا للقيم التي يجب أن تظل مرشدة لكل من يسعى لبناء مصر قوية ومتقدمة، بلدا يحترم كل مواطنيه، ويرعى حرياتهم، ويحتضن اختلافاتهم بروح من المحبة والتسامح. 

إننا نستطيع أن نرى فيه مثالا حيا على أن الدين والوطن يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب، وأن الالتزام الروحي لا يتعارض أبدا مع الالتزام الوطني، بل يكمله ويقويه.

وبذلك، يصبح البابا يؤانس التاسع عشر أكثر من مجرد شخصية تاريخية؛ إنه قدوة لكل من يريد أن يرى وطنه يسير نحو المستقبل بثقة وعدالة، وطن يحمي حقوق مواطنيه، ويحافظ على قيمه الإنسانية والدينية، وطن يمكن لكل مصري أن يفخر بالانتماء له، وطنا للجميع دون استثناء.