نبضات
كان أحدهم، وليس آخرهم، فارسٌ ترجل عن صهوة قلمه، مرغمًا هجر آلام الإبداع وآماله، بعد أن أعجزه المرض، ونال منه ما نال.
كثيرون أعيتهم محاولات المساعدة، ولم يجدوا بدًّا من النداءات، التى صارت وسيلة يلجأ إليها المقربون والأصدقاء، يلهجون بها على منصات السوشيال ميديا وغيرها، علّهم يجدون من يمد يدًا مستحقة لمبدع أنهكه المرض وضاقت به الحيل.
مشهد تكرر كثيرا على مدى سنوات عدة، ومازال، فكم من مبدع كان يصدح قلمه بيننا فاختطفه المرض، ولم تفلح نداءات أصدقائه للمسؤولين بالتدخل واستكمال علاجه على نفقة الدولة، بعد أن أتت تكاليف العلاج على آخر مليم يملكه، ليظل صدى نداءاتهم يتردد دون مجيب حتى يلقى المبدع ربه، فيفجع الوسط الثقافى لأيام وربما شهور، يتساءلون فيما بينهم عن جدوى نداءاتهم ومتى وكيف يكون لها مردود، بل متى يكون للمبدع وزن فى بلد الإبداع والمبدعين؟
وإنّا لنعجب إن علمنا أن الدعوة لعلاج المبدعين على نفقة الدولة ليست مستحدثة، فها هو يوسف إدريس وقد نادى فى مقاله بالأهرام عام ١٩٨٢ بعلاج الشاعر الكبير أمل دنقل على نفقة الدولة، مختتما مقاله قائلا: «بالله يا أمل لا تمت فكلنا فداؤك».
وحينما صدر قرار من وزير شؤون مجلس الوزراء حينئذ بعلاجه على نفقة الدولة كان نصه مهينًا لا يتوافق ومبدع أنفق عمره ومداد قلمه مدافعًا عن وطنه وعروبته، فجاء القرار «بعلاج (المواطن أمل دنقل) على نفقة الدولة بالدرجة الثانية دون مرافق بنفقات قدرها (١٠٠٠ جنيه)»!
ولم يكن نداء إدريس الأول والأخير، فقد تلته نداءات عدة، نتذكر منها ما نادى بعلاج المبدعين: نعمات البحيرى وسعيد الكفراوى وعبدالرحمن شكرى وعبدالرحمن بدوى، ومحمد الشهاوى وعلاء الديب، ومحمد مستجاب، ومحمد ناجى
ومحمد عبدالمنعم زهران، وحمدى أبوجليل، ومحمود قرنى، وغيرهم.
وقد تتدخل لعلاج بعضهم إحدى المؤسسات الثقافية، إلا أن التدخل يظل محدودًا بالتغطية العلاجية لتلك المؤسسة، وإذا ما تخطت التكاليف تلك التغطية قد يتعقد الأمر، وهو ما حدث مؤخرًا مع الشاعر الكبير شوقى حجاب، وبعد نداءات واستنكارات عدة تدخل السيد وزير الصحة وتم نقله لمستشفى آخر، حيث يستكمل رحلة علاجه حاليا تحت إشراف الوزارة.
إلا أن سؤالا يتردد كثيرا: أليس علاج المبدع على نفقة بلده حقا أصيلا يجب الحصول عليه وتنفيذه دون الحاجة لنداءات والتماسات للمسئولين أو تدخل أى كيانات قد يكون المبدع على خلاف فكرى معها؟ أليس من شروط العلاج على نفقة الدولة أن يكون المريض مصرى الجنسية ويعانى مرضًا عضالا؟ أو ليس المبدع مواطنًا مصريًّا له من الحقوق مثلما عليه من الواجبات؟ ألم يحن الوقت بعد لاستصدار قانون بعلاج المبدعين على نفقة الدولة بما يحفظ عليهم كرامتهم ويكفيهم سوء النداءات ومهانة المساعدات مما يدفع بعضهم -تعففا- لرفض تلك النداءات؟
أليس المبدع صانع قوتنا الناعمة التى هى إحدى دعامات التنمية التى تسعى الدولة جاهدة لتحقيقها؟ إذن فلنحفظ قوتنا الناعمة ونحمِ مبدعينا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض