ينحدر بائع شطائر النقائق «يفجينى بريكوجين» من أحد أحياء سان بطرسبرج المهمشة، فهو بلديات ولى نعمته بوتين، قاسى مراهقة بائسة مثل أى صعلوك من أرباب السوابق، فسجن عقدًا كاملًا بتهمة السطو والانضمام إلى عصابات المافيا، رافق خلالها خلاصة عتاة الإجرام، وهو ما استثمرها لاحقًا بعد أن عمت الفوضى ربوع البلاد عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وبالطبع ظهرت فرص سانحة للثراء السريع استغلها بنهم شديد حتى أضحى «شهبندر المواد الغذائية»، لكن اسمه ارتبط بسلسلة مطاعم كونكورد الشهيرة ولعب الحظ دورًا مهمًا فى استضافته عشاءً رسميًّا على شرف شيراك وبوتين، ومن بعدها توطدت علاقته بسيد الكرملين، فحصل على عقود توريد مئات الملايين من الوجبات الجاهزة لطلاب المدارس، الموظفين وجنود الجيش، بقيمة تتخطى مليار دولار سنويًا، وصار طباخ القيصر عضوًا بارزًا فى طبقة «الاوليجاركية المحدودة»، وجاءت نقطة التحول الكبرى فى مسيرته الغريبة عندما سخر مواهبه المدهشة وسجله الإجرامى فى تأسيس كتيبة الأحلام من السجناء اليائسين من فرصة جديدة للحياة، فقدم عرضًا لا يمكنهم رفضه، وهو»التجنيد مقابل العفو» لينضم 40 ألف مجرم كدفعة أولى فى جيش بوتين الخفى الذى تكون فى دهاليز سجن سيبريا الرهيب، انتقى الشيف الماهر من الأشقياء أشدهم بائسًا وتنكيلًا؛ لذا سمع صدى وحشية ورعب شركته لتوصيل القتل إلى المنازل عبر القارات من جزيرة القرم، حلب، بنى غازى وباموكو.. الخ، وهو ما لم يخطر على خيال معظم كتاب هوليوود.
انتهى شهر العسل الطويل بعدما دب الشقاق بين زعيم المرتزقة وجنرالات الجيش بسبب التنافس المحموم على إدارة سير المعارك فى أوكرانيا، لاسيما بعد إنكارهم بطولات كتيبة الإعدام وسرقتهم للنصر العسير، واتسعت الفجوة عقب تحرك الدوما المباغت بتغيير القانون للسماح للجيش بتجنيد «رد سوابق إجرامية « للتخلص جزئيًا من اعتماده على بريكوجين الذى تأكد من نوايا حاشية بوتين الغادرة وعزمها على تقليم أظافره وعزله من المشهد، وهو ما لا تتقبله شخصيته النرجسية؛ فوقع بغرور فى شر أعماله تحت تأثير عصبية مزاجه المتقلب، فقام بتمرد خطير كاد أن يورد موسكو مهالك الحرب الأهلية ويعجل بتمزيقها إربًا، وهو ما اعتبره بوتين طعنة فى الظهر لا تغتفر؛ لذا أوعز ثعلب الكى جى بى السابق لخادمه الأمين لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا لكى يستدرج الجنرال الهاوى ويوقعه بهدوء فى شرك التفاوض والتوصل معه لصفقة تبدو مرضية تنهى التمرد بأقل الخسائر،ثم لكل حادث حديث وهو ما قد كان.
يقينًا إن السمعة المدوية والنفوذ المهول لأمير حروب الغاز والألماس أغرت الآخرين باتباع سنة القاتل الأجير، فهو مثلهم الأعلى للسطو المسلح على الثروة والسلطة معًا، فرأينا نسخة سودانية أقرب إلى الكوميديا السوداء هو السيد المبجل حميدتى تاجر إبل من دارفور التعيسة كاد أن يصل غفلة إلى سدة حكم السودان الكبير.
قصة أحمق فاجنر هى تراجيديا إغريقية بامتياز تجسد كل معانى غباء الطموح القاتل، وهو ما نراه حولنا كل يوم على المستوى العام أو الخاص. قديمًا قالوا: أوهام الطموح مرض لا دواء له إلا حفنة من التراب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض