تمشية في بيت مسكُون بأرواح طيبة.. رحلة لدار صفية وسعد
تحب النساء أن تعضد بعضهن البعض، حتي فى الأسواق الشعبية ولو كان بالحكي. بمحازاة بيت سعد يصطف صفًا نسويًا من مختلف الأعمار، البيت العتيق ذو الطراز الفرنسي يعلن عن نفسه بوضوح بتفاصيل معمارية مغايرة. لكن إدارة حوار مع الجيران مُهم!

كانت إجابة العجوز مقنعة: لن تجد شيئًا فى الضريح المغلق، سوي رفات «سعد» وشاهد القبر، أذهب لبيته أفضل هناك ستجد كل متعلقاته. سألتها هل تحبين سعد؟ قالت: أحب الصالحين وسعد منهم، هكذا ردّت باقتناع!
ذكريات مصطفي أمين
الحديقة تستدعي صورة بمخيلة طفل ترعرع بالبيت وأصبح اسمه الأستاذ مصطفي أمين..«كان جنود سعد يخوضون المعارك ويهاجمون الدبّابات ويستولون على السيارات البريطانية المصفّحة وهم يهتفون.. نموت ويحيا سعد، رأيت جثثهم مزروعة فى حديقة بيت الأمة وصفية زغلول تمشي بينهم تضمّد جراحهم وتسبل عيونهم، والجنانيني يحتج على أن أشجار الحديقة تحطّمت، وزهورها ديست بالأقدام، تقول صفية مشيرة للجثث هذه أشجار حديقة بيت الأمة الجديدة وكلما كثرت هذه الزهور اقترب يوم الاستقلال».

كألة الزمن تحتوي المرايا يمين ويسار بهو الاستقبال، الزائر لتنقله إلى زمنًا لم يعشه، مع طاقة مريحة وجذّابة تبعث على الهدّوء والتأمل، وتحرض على البقاء. على اليسار من البهو صالون الاستقبال ــ مجلس «سعد» ورفاقه الكرّام، غرفة قيادة الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.. هذه المقاعد جلس عليها النحاس ومكرم والباسل ومرقص حنا وطبقات الوفد المصري كلها إلى أن أغلق البيت بوفاة صفية.
أمن «سعد» ظهره بمرايا بارتفاع جدار غرفة مكتبه، تكشف له من سيأتي من خلف ظهره، كان متوجسًا من تكرار محاولات أخري لاغتياله من الإنجليز بعد محاولة 1924 ــ والتي أثرت فيه للدرجة إنه لم يتخلص من ملابس ذلك اليوم واحتفظ بها ملطخة بدمائه فى خزانة ملابسه.
من غرفة الطعام الرحبة فى الطابق الأرضي يبدأ وفاء الزوجة «أم المصريين» السيدة صفية مصطفي فهمي ــ صفية زغلول. لا أحد يملأ مكان «الزعيم».. لا أحد يجلس على مقعد سعد فى غرفة الطعام أو يمس أدوات المائدة خاصته.
يستمر وفاء صفية فى الطابق الثاني، بعد أن تتجاوز الدرج وأسفل حجاب من الأرابيسك يحجب الحرملك، بغبغاء «سعد» المفضل الذي كان يداعبه قبل نزوله للطابق الأرضي، والذي لحق بزوجها بعد موته، استدعت صفية متخصصين ليحنطوه وأبقته مكانه.
ومن المدخل إلى غرفة الملابس يستمر وفاء صفية! التقويم الميلّادي المعلّق على جدار غرفةًــ تسبق غرفة النوم، أوقف بيد «صفية» فى 23 أغسطس ــ تعلن «أم المصريين» عن توقف حياتها بعد رحيل الزعيم.. كل هذا الوفاء؟!
الكثير من التفاصيل والأثاث المعبأ بالذكريات واللوحات الفنية والقطع والتماثيل النصفية والفوتغرافيا النادرة والأدوات الشخصية والملابس وزجاجات العطور، تحتاج لأكثر من زيارة لالتقاط تفاصيلها الثرية على مهل، غير أن الأكثر إلحاحًا هو ضرورة إعادة النظر فى إنارة المتحف القومي وتجديد وسائل العرض وصيانة الأثاث والقطع الفنية بوسائل علمية، لا يليق ببيت الأمة أن يكون مظلمًا!

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض