خارج السطر
كان ظهوره حدثاً، فلم يكن غريباً أن تحاصره الكاميرات وتتتبعه النظرات، تستفهم ما بداخله من مشاعر تجاه عودة بلاده إلى الجامعة العربية بعد غياب طال أحد عشر عاماً. وقف بشار الأسد بإباء اعتاده، راسماً ابتسامة رضا، مُكرراً أنه لا انتماء لسوريا خارج حدود العروبة، وأن كل دولة هى الأقدر على التعامل مع مشكلاتها الداخلية.
رغم رهانات عديدة لأكبر الساسة فى العالم لم يسقط بشار الأسد فى حُمى الثورات التى عصفت بخريطة العرب فى 2011. كان صلباً، قوياً، عنيداً ونجح فى النهاية.
وبغض النظر عن محبتنا أو كراهيتنا الشخصية للرجل، فإن نبأ عودة سوريا إلى حضن جامعة الدول العربية أشاع حالة ارتياح فى الشارع العربى، والذى لم يعتد غياب دولة عربية أصيلة وعظيمة مثل سوريا عن كتلة العرب.
ويعنى ذلك بوضوح، أن قرار تعليق عضوية سوريا فى الجامعة العربية، والذى صدر فى نوفمبر 2011 كان قراراً خاطئاً. كان نبيل العربى وقتها هو الأمين العام للجامعة، وربما كان يتصور أن تعليق العضوية هو نوع من الضغط السياسى على النظام السورى لوقف القمع، لكن الأيام أثبتت أن هذا الإجراء لم يغير ساكناً.
والمتفكر بعمق فيما جرى يخلص إلى القول بأنه مع استنكارنا لأى فعل بطش لنظام سياسى تجاه بعض مواطنيه، فإنه لا ينبغى قطع كافة خيوط الصلة بهذا النظام، ببساطة لأنك لن تستطيع دعوة أى دولة لتغيير سياساتها نحو السلام وأنت تقاطعها.
كذلك، فإن الأحداث أثبتت أن بعض ما يحدث فى سوريا موجّه ومُسيس ومنفوخ فيه، وأن الميديا والسوشيال ميديا، والصراعات التحتية تلعب دوراً كبيراً فى تأجيج الحرب هناك. وحسبنا أن نعى جيداً أن أى سقوط لنظام شمولى فى المنطقة سيصب صباً فى جعبة الجماعات الراديكالية المتوحشة، التى تمارس عنفاً مماثلاً لعنف السلطة وربما أشد، وتحت غطاء دينى.
لقد فضح الزلزال التركى السورى إنسانية المجتمع الدولى والعالم الغربى، الذى لم تهتز لمسئول واحد فيه شعرة تأثراً أو تضامناً مع الإنسان الموجوع فى هذه الكارثة الطبيعية. لم يقدم الاتحاد الأوروبى دولاراً واحداً لإغائة المشردين والمكلومين فى سوريا.
من هنا بات لسان حال أى عاقل يُكرر فى حكمة مقولة «أهل مكة أدرى بشعابها» عند التفكر فيما يحدث داخل أى دولة عربية أخرى. فليس من السهولة الحكم بحق يقينى على أمر ما، وليس من الصواب مؤازرة طرف ضد طرف آخر فى نزاع ما.
أستبشر بعودة سوريا، وأرى أن العالم العربى لا يملك فى الوقت الراهن سوى التكاتف. فثمة متغيرات عظيمة تحدث فى العالم كله. تسقط قواعد وتتلاشى نظريات وتخفت أفكار حاكمة، وتولد تكتلات جديدة، ولا بد من اصطفاف. لا بد من اتفاق ولو على حد أدنى من المصالح المشتركة. هذا إن أردنا النجاة.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض