ضوء فى آخر النفق
أظن أن مصر بعد الحوار الوطنى لن تكون كمصر قبله. هناك ١١٣ قضية ستناقشها ١٩ لجنة. عدد هائل من الموضوعات والتحديات الوطنية التى نواجهها.. ستفرز باليقين حلولا وأفكارًا وسياسات توضع أمام صانع القرار. أظنها ستكون أشبه بدستور جديد معتمد من «مؤسسة موثوقة» تدعى الحوار الوطنى. الدعوة استقطبت الشارع المصرى على اختلاف انتماءاته، وإن كان هناك بالطبع ملكيون أكثر من الملك استغربوا أن يعيد الحوار إلى الواجهة أسماء بعينها لمعت فى يناير. والغريب أن تقبل الدولة الحوار مع المعارضة، بينما بعض مؤيديها يزايدون عليها ويغمزون وينتقدون مشاركين بعينهم من قنوات وتصرفات لم تجعلها تحول بينهم وبينها، وكأنها رسالة لعودة التجمع والالتفاف الشعبى من جديد حول أهداف البناء وتجاوز التحديات. لا بأس هكذا هى الحال دائما فى الممارسة السياسة والحياة العامة.
يقينًا الأحزاب السياسية نفسها لن تكون هى نفسها الأحزاب كما كانت قبل الحوار الوطنى.. المهم هو كيف تستثمر الأحزاب السياسية هذه القضايا وتتحاور حولها وتدرسها دراسة معمقة؟ الفرصة سانحة الآن أمامها لتقديم أفكار ودراسات عن بعض هذه القضايا من خلال المتخصصين والساسة والعلماء والخبراء الذين ينضوون تحت لوائها. هذه الـ١١٣ قضية التى سيبحثها الحوار الوطنى ستوضع تصوراتها ونقاشاتها أمام الرئيس.. أما ما ستبحثه الأحزاب فسوف تخاطب به الشعب. ستطلب به ثقته فى برامجها الإصلاحية. كثير من التصورات والدراسات الحزبية ستكون مختلفة عما تدرسه وتخرج به لجان الحوار الوطني. العزوف الجماهيرى عن الانضواء تحت لواء الأحزاب أمر يجب تغييره. وهذه المهمة الجديدة أمام الأحزاب يمكن إذا كانت جادة ومنظمة ومدروسة أن تتحول إلى برامج عمل جديدة تتقدم بها الأحزاب إلى الجماهير لنيل ثقتها فى أى انتخابات قادمة. يجب استعادة الزخم الذى كان موجودا للتجربة السياسية الحزبية، والتى كانت فعالة لدى نشأتها فى السبعينات بمنابر اليمين واليسار والوسط، واشتعلت عام ٨٤ حينما صدر حكم قضائى نهائى بأن بعودة حزب الوفد إلى الساحة السياسية، كأكبر وأعرق لاعب حزبى قبل ثورة يوليو، وبعد عودته ما زال يؤدى دوره فى العمل البرلمانى والصحفى رغم كل الظروف المحيطة بالتجربة.
أثق أنه من الممكن استعادة الجماهير بانتماءاتها المختلفة للممارسة السياسية، من هذا المدخل، ومن تلك النافذة التى فتحها السيد الرئيس أمام التيارات والاتجاهات السياسية المختلفة. فقد شهدنا وتابع الناس باهتمام الكلمات التى ألقيت فى الافتتاح، ولاسيما ما يتعلق بالمستقبل، والحديث عن العراقيل والتحديات التى تواجه هذا المستقبل، وبعضها حقوقى وبعضها سياسى وكثيرها اقتصادى ومالى.
هذه القضايا التى قد تنتقى منها الأحزاب ما تبدأ به دراساتها، كفيلة بضخ دماء جديدة فى عروقها - ما أحوجنا إليها - خاصة أنها تواجه أقوالًا وتصورات تحاول الإيحاء بوهنها أو ضعفها وعدم اجتذابها جماهير جديدة.
بعد ثورة يناير شعر كثير من المصريين بالصدمة، وربما فقدوا الإيمان بالتجربة السياسية برمتها، ولولا أنه كان عليهم تدارك الأمر وإسقاط حكم الإخوان.. فإنهم تركوا الأمر للدولة. اليوم امتدت أياديها للمصريين ليشاركوا مجددًا، بعدما وثقوا أن الطريق للمستقبل لن يمر عبر التزييف الذى قدمه التأسلم السياسى وحلفاؤه. لن يمر عبر الأفكار الماضوية السحيقة.. وهذه فرصة الأحزاب.