رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الخصومة مع العقل مدمرة، وأشد خطرًا على الفرد والأمة من أى مخاطر أخرى.. الخصومة التاريخية مع العقل تمثل تهديدًا وجوديًا حقيقيًا للمجتمعات والدول ينذر بالضعف إلى حد التلاشى.. أفكار كثيرة تراءت أمامى وأنا أتابع جلسة وزراء الخارجية العرب بالقاهرة والذين قرروا خلالها عودة سوريا إلى مقعدها بالجامعة بعد أن تم تعليق عضويتها منذ اثنى عشر عامًا تقريبًا.. لست بصد تحليل وتقييم عودة سوريا للجامعة العربية أو عودة الجامعة إلى سوريا، ولكن ما يشغلنى هو أن الثقافة العربية السائدة منذ ما يزيد على الأربعة عشر قرنًا تشير إلى قابلية العرب للتطبيع مع أى خصم أو خصومة مهما كانت حالة ودرجة الصراع معه، إلا نوع واحد ووحيد من الخصومة لم يقدر العرب على التطبيع معه– إنها الخصومة مع العقل.. طرح الإشكالية ليس المقصود منها جلد الذات، لكن الأمر نوع من المكاشفة والتوقف أمام لحظة راهنة وعابرة نحاول قراءتها بشكل مختلف. تاريخيًا سنجد سنوات الفرقة والاختلاف بين العرب قبائل ودولًا هى الواقع الدائم خلال قرون مضت، أما أوقات التوافق فلم تكن سوى لحظات قصيره عبر عنها الشاعر الأندلسى لسان الدين ابن الخطيب – 1313 - 1374، مصورًا نهاية حكم المسلمين للأندلس قائلًا (جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس – لم يكن وصلك بالكرى حلمًا فى الكرى أو خلسة المختلس). 

لو ثبت يومًا أن هناك صفات وراثية سياسية يمكن اعتبارها جينات تنتقل من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، فإن خصومة العقل أحد أبرز الصفات الوراثية للعقل السياسى العربى. هذه الخصومة رودت هذا العقل وربته على استمراء الفرقة والتناحر واعتبار الاختلاف بمثابة المبرر الوجودى لأى كيان.. العقل السياسى العربى تاريخيًا يعتبر التوافق القائم على تشارك المصائر مع المحيط، ذوبان وتلاشى للشخصية الوطنية وتهميشا لها، وإضعافًا لمكوناتها. هو نوع من التفكير الذى يختصر الدولة فى القبيلة، والقبيلة فى الخيمة، والخيمة فى الشيخ.. 

بعد عشر سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 ظهر الاتحاد الأوروبى ككيان جيوسياسى يغطى الجزء الأكبر من القارة الأوروبية. تأسس بين 6 دول أعضاء فى البداية ليصل فيما بعد إلى 27 دولة أوروبية داخلها كل أعداء الأمس.. هذه الدول تتفق على رؤية وخيال سياسى أوروبى ناضج رغم اختلافاتها البنيوية، واختلاف مواقف كل دولة من العالم المحيط بها.. هذه الدول اتفقت على عقيدة أقوى مما تطلبه أو تدعو له الكنيسة نفسها، هذه العقيدة تقول بأن الحرب بين الدول الأعضاء غير متصورة، بل مستحيلة.. 

درجات الاختلاف السياسى بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبى منفردة كبيرة جدًا، لكنها لا تؤثر على الغايات الجماعية، وواحد بالمئة منها بين دولتين عربيتين كان كفيلًا بالحرب والقطيعة.. هنا أعود لخصومة العقل، وأقول بأن التطبيع العربى مع العقل تأخر كثيرًا وطويلًا. المشهد عبثى جدًا، وجذوره تمتد لأكثر من ألف عام مضت، وقد يكون زمن الفتنة الكبرى منذ مقتل الخليفة عثمان 35 هجرية، بداية مأساة لم تنته فصولها بعد – فقط تتغير الأزمنة والأحوال والأشكال والأسماء، ولكن مكنون العقل لم يتغير كثيرًا.. الفلسفة تنبئنا بأنه لا توجد معرفة يقينية لدرجة أنه لا يمكن لشخص عاقل أن يشك فيها، لأننا حين نسلم بيقينية أشياء كثيرة نجدها عند الاختبار الدقيق لها مملوءة بالمتناقضات الظاهرة.. التطبيع مع العقل على المستوى العربى السياسى والاجتماعى والثقافى يحتاج لفتح مسام العقل وتهيئة الواقع المعاش لنوع من الانتقال الهادئ والآمن من أزمنة الفتنة الكبرى، لعصر المعارف الكبرى.