رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

يكتب يكتب. يتوجع بلذة، وينزف بحب، ويسكُب روحه على الورق على أمل أن يُغير أو يُبدل واقعا يراه مضادا للإنسان. ذلك هو الكاتب، وتلك هى مهمته فى الكون: جهاز إنذار مبكر يتنبأ بالزلازل، وعود كبريت مشتعل فى العتمة، وحائط صد ضد غزو القبح.

متى انفتحت الأبواب أمام الكتابة، اتقدت الأذهان، وأطلت الأفكار الخلاقة، وتولد الاستثنائيون، المُبدّلون، والناهضون بالناس والبلدان. كلما تحررت الكلمة، وغضت حشود التربص والتلصص عيونها عنها، تقدمت الشعوب وتطورت الأمم، وكسرت البلدان المتأخرة إرثها من التخلف والتبعية.

إن نظرة واحدة إلى حال العالم العربى بفضائياته وإذاعاته وصحفه وكُتبه وإبداعاته وإسهاماته فى العلوم والفنون والأفكار بالعالم تُحدد لنا بوضوح حال الكتابة فيه. فالكلمات المُقيدة هياكل عظمية، تماثيل مهما تجملت مُصمتة، زهور صناعية لا تنبض بالحياة، فلا تُسعد أو تُرضى شغفا، أو تؤثر فى أحد. ولا يحتاج المرء إلى بحوث استقصائية عميقة؛ ليجيب عن السؤال المتكرر بشأن عدم فوز أى مبدع عربى بجائزة نوبل فى الأدب سوى مرة واحدة كانت من نصيب نجيب محفوظ، بينما حصد الجائزة 17 أديبا فرنسيا، و15 أديبا ألمانيا، و13 أديبا إنجليزيا، و11 أديبا أمريكيا، وثمانية أدباء سويديين، وستة أدباء طليان.

يلمح المثقف الذكى يوسف إدريس ذلك الحال فيقول لنا «إن كل الحرية المُتاحة فى العالم العربى لا تكفى كاتبا واحدا ليقول رأيه»، ويتحسر نزار قبانى على أحوال المبدعين، فيكتب قبل وفاته «هل إذا مات شاعرٌ عربيٌ.. يجد اليوم مَن يُصلى عليه؟».

ينظر الناس للكاتب باعتباره جسرهم الممدود لدى ولاة الأمور، فيُحملونه رسائلهم، همومهم، أوجاعهم، وشكاويهم. بينما تنظر السُلطة إلى الكاتب باعتباره مُوظفًا ضمن جوقة عازفين مُهمتهم المفترضة هى تخليد إنجازاتها. وبين التذبذب المفروض يفقد الكاتب العربى ثقة الطرفين، فينعته الناس بساكن البرج العاجي. وتراه السلطة حاسدا شريرا مُبتزا، يُغفل الإنجازات العظيمة التى تحدث، ويُركز فقط على جوانب القصور. ومن ثّم لا تجد السلطة غضاضة فى وضع ألف قفل وقفل أمام ساحات الرأى من صحف، مطبوعات، مدونات، ومواقع تواصل، وتتصور أنها تُدعم بذلك الاستقرار وتُحافظ على بُنية المجتمع تحت زعم أن فتح النوافذ أمام رياح الشرق والغرب تقتلع الأشجار من جذورها.

ولا تقتصر سلطة الرقابة فى بلاد العرب على السلطة السياسية، فالرقابة الدينية والمجُتمعية أكثر قسوة، وأشد خطرا، وأوثق تقييدا. فكُل مَن يفكر ويُجرب ويبدى طرحا مُغايرا للسابقين يُتهم ويُكفّر ويٌنبذ وربما يُقتل فى بعض الأحيان، مثلما حدث مع المفكر الراحل فرج فودة رحمه الله.

يخاف الكاتب العربى فحقه أن يخاف. يتلفت يمينا ويسارا كلما خط حرفا. يسأل نفسه: هل داس بقلمه لُغما لم يره؟ هل خدشت كلماته حياء أحد؟ هل أغضبت مقالاته سينا أو صادا؟ هل تحمل كتابته أى شبهة؟ وهل يُمكن لكتبة التقارير أن يُسيئوا تفسير وتأويل كتابته؟

تحت لافتة اللاجدوى يُفكر البعض فى اعتزال الكتابة. إماتة الكلمات فى مهدها، وأدها فى نفوس أصحابها. الصمت الذى هو من ذهب. يترددون يترددون، ينزون أحيانا، يصمتون لبرهة، يعتريهم اليأس، وتفيض بهم أنهار الإحباط، لكنهم سرعان ما يعودون ذات صباح جديد إلى الورقة والقلم والفضفضة، شاء مَن شاء وأبى من أبى. فلا تموت كلمة ولدت بصدق.

والله أعلم.

[email protected]