ضوء فى آخر النفق
ليست مهمة مستحيلة، أن يعوض سفراؤنا فى الخارج غياب سفرائنا الطبيعيين من أبناء دول الخليج، الذين كانوا يكنون لمصر منذ منتصف القرن الماضى مشاعر رائعة.. منذ درسوا فيها وارتبطوا بجامعاتها وكلياتها وأساتذتها، وأقاموا لسنوات طويلة فى أحياء ومناطق سكنية مصرية، عرفوها أكثر مما يعرفون بلدانهم. كثيرا ما كانوا يحدثوننا نحن الصحفيين حينما نلتقيهم عن ذكرياتهم وعن حنينهم لأيام جميلة عاشوها فى رحاب شعبنا الطيب، وطبيعتنا الساحرة (ذهب السحر عن بعضها مثل القناطر الخيرية.. وكانت محط الرحلات السياحية، والسيدة زينب (فول الجحش) والأزهر والحسين -قبل أن تلتهب منطقته بجحيم أسعار أصحاب المقاهى والمحال والباعة– ومحال أندريا فى الهرم والأوبرچ وكازينو الليل وكازينو بديعة فى ميدان الأوبرا إلخ ) معمورة ومنتزه الإسكندرية.
كثيرون منهم تزوجوا من مصريات، وهذه المصاهرة أثمرت كثيرا من ورود المحبة، جمعت بين الشعوب، وكانت الصحافة فى ذروة مجدها تتيح للذاكرة الخليجية أن تصدح بهذه الذكريات. هذه الشعوب -خاصة الخليجية -لم يجمعها الحب فقط، بل جمعتها الحرب أيضًا، ففى حربى أكتوبر وتحرير الكويت امتزجت الدماء كلها.
أجيال «المحبة» الخليجية ذهبت وانقضى وقتها، بفعل الرحيل والغياب أو التقدم فى العمر، والنزول عن المواقع التى تولوا عبرها مقاليد الأمور، وجاء زمن آخر تولى فيه أبناؤهم وأحفادهم، وهؤلاء يحملون ذكريات عرفان لأمريكا وأوروبا عموما، بفعل دراستهم وإقامتهم وسياحتهم فيها، وبالتالى انتقلت مشاعر التقدير والمحبة لهذه الدول، ومع تزايد أعباء الحياة وزيادة أعداد السكان أضعافًا مضاعفة، وتفجر قضية البطالة، مع انخفاض الموارد لاسيما بتأثر أسعار النفط وتذبذبها، جعل ذلك دول الخليج تبحث فى مصلحة شعوبهم أكثر، فبدأت المعاملة المختلفة للوافدين.
ختمت الجزء الثانى من مقال الاسبوع الماضى بحديث عن بعض السفراء الأجانب فى مصر الذين تركوا بصمة عندنا، ودعوت للتأسى بهم، وهنا يكمن جوهر بعض أفكارى.. فهؤلاء السفراء يجب أن يبذلوا جهدا مضاعفا ليطبعوا صورة ذهنية عن مصر القديمة، يحيون بها وشائج الود مع الشعوب الشقيقة.. يشاطرونهم أفراحهم وأحزانهم، يصححون أفكارهم الخاطئة.. يكسبون بدبلوماسية وثقافة معرفية ودهم وتقديرهم وينزعون فتيل الأزمات عندما تندلع بسبب حادث أو جريمة.