كنوز الوطن
رحم الله العظيم عبدالرحمن الشرقاوى الذى وصف الكلمة بأنها نور وبعض الكلمات قبور، لو كان الشرقاوى بيننا الآن لأصدر طبعة جديدة من روايته الاشهر «الحسين شهيداً» ليختار وصفا آخر يناسب ما نسمعه ونشاهده فى قنوات الأندية الآن، من تجاوز لكل الحدود فى لغة الحديث، فهو ليس كلمات بل نيران فتنة وقنابل تنفجر فى وجه المجتمع، بما تثيره من تعصب وتحريض لا يتوقف، ما يجرى فى تلك القنوات مؤلم بكل المقاييس لأنه يتجاوز كل حدود الثوابت الإعلامية التى تربينا عليها وتعلمناها من كبار إعلاميينا، بالتأكيد لا يمكن أن نحكم على الإعلام الرياضى بنفس ضوابط ومعايير الإعلام العام، فالرياضة لها قاموسها الخاص ولغتها وألفاظها التى تناسب الشباب، لكن ما نحتاجه من هذا الإعلام هو الشعور بالمسئولية، وأن يدرك صناعه أن الوطن أهم من النادى واستقرار البلد مقدم على كل شىء، لكن ما يحدث أن من يظهرون على شاشات قنوات الأندية يتعاملون بمنطق الانتماء للنادى أولًا والدفاع عن مصالحه أهم حتى لو كان فى تحقيق هذا ما يسبب كارثة وطنية، يمارسون لعبة تسخين الجماهير واشعال روح التعصب، ولا ضابط ولا رابط ولا رقيب على ألسنتهم، كل واحد منهم يقول ما يشاء والأقوى من يمتلك القدرة على التحريض والتسخين أكثر.
وحسنا فعل المجلس الأعلى للإعلام بوضع ضوابط وقرارات حاسمة لمن يتجاوزون فى تلك القنوات، بما يسبب التعصب وتأكيده أن العقوبات قد تصل إلى سحب الترخيص، أو المنع من الظهور، بالتأكيد هذا يمثل خطوة مهمة لمواجهة هذا التعصب الأعمى، وأثق فى أن المجلس لن يتهاون فى تطبيق ما أعلنه من قرارات، لكن ما أتمناه ان يمتد دور المجلس إلى وضع ضوابط أيضا لتناول تلك القنوات للتحليل الرياضى وما تمارسه من عمليات تقييم خصوصى للتحكيم ولكل عناصر المنظومة الرياضية، فخطر التعصب ليس مقصورًا فقط على استهداف الأندية المنافسة ومهاجمتها بأشنع الالفاظ، وإنما أغلب التعصب يمكن أن يأتى من خلال التشكيك فى عناصر المنظومة وتشويهها لدرجة تجعل الجمهور لا يثق فيها وبالتالى لا يتقبل أى قرارات منها ويحولها إلى عدو لناديه، ويبدأ فى الشعور بالمظلومية التى ندفع جميعنا ثمنها، وما حدث الفترة الماضية أكبر دليل على ذلك، فبسبب إصرار قنوات الاندية على تشويه واتهام المنظومة الكروية باستهداف ناديهم، تحول الأمر عند الجماهير إلى قاعدة وتعاملوا مع المنظومة بالفعل على انها عدو.
الخلاصة، إن الإعلام الرياضى بعيد كل البعد عن أخلاقيات العمل الإعلامى الحقيقى، وهو ما ندفع ثمنه منذ سنوات ليس فقط داخليا، بل قد يتسبب فى أزمات مع دول شقيقة، والوقائع كثيرة، والسبب غالبًا أن كثيرا من الذين يمارسون الإعلام الرياضى يتسمون بالرعونة والانفعالية الفارغة ولا يقدرون المسئولية ولا يعرفون مواثيق الشرف الإعلامية ولا مدونات السلوك، ولا حتى يعرفون ماهية أهمية الأمن القومى المصرى، بالتأكيد لا يمكن أن نستغنى عن الاعلام الرياضى ولا عن قنوات الأندية التى أصبحت جزءا مهما من الاستثمار الرياضى، لكن ما نريده أن ينضبط أداء تلك القنوات على موجة الوطن، وأن تصبح جزءا من وسائل التهدئة وخلق ثقافة المنافسة الشريفة البعيدة عن التعصب، واذا كان لمجالس ادارات الاندية الدور الأكبر فى ذلك، فإن دور الضوابط والقرارات الحاسمة مع المتجاوزين ستلعب الدور الأكبر فى ضبط تلك المنظومة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض