خارج السطر
يجهل البعض أثر الكلمة. يتصورونها قشة تُسيرها الريح فى هواء العالم. ترف لا يملكه من يسعى لسد كافة احتياجاته البيولوجية. يسأل المنكرون: ما الثقافة! ما القراءة ! ما الابداع؟ وما الكتب؟. يُكرر الناعسون تساؤلاتهم عما تفعله الكلمة فى مواجهة غابات القُبح هنا وهناك! وما تُحدثه أمام جحافل التخلف وجموع التفاهة!
لكن مَن يتدبر، ويتوقف، ويتأمل، ويتابع، ويفكر، يُدرك بوضوح أن الكلمة هى كل شئ. فطموحات الإنسان تتجدد بكلمة، والإصلاحات الكبرى تقوم على كلمة، والتيارات الجديدة والأفكار العظيمة تولد وتتمدد هنا وهناك بكلمة.
ربما كان الشاعر محمود درويش مُحبطا عندما سأل فى قصيدة قديمة له صديقه الشاعر سميح القاسم سؤاله الشهير: «أما زلت تؤمن أن القصائد أقوى من الطائرات؟ إذن، كيف لم يستطع إمروء القيس فينا مواجهة المذبحة؟»
وربما كان المبدع الجميل أحمد الشهاوى قاسيا على نفسه، وهو يقول لنا ذات مرة «كتبت كثيرا ولم أستطع إشعال ثورة.. كتبت حد الموت، ولم أستطع شراء مقبرة.. كتبت حد إشعال أصابعى شمعا.. ولم أجد أسمى فى سجل الذين ستغتفر ذنوبهم.»
لكن كل هذه الومضات فى تصورى هى لحظات توقف تعبوى تنتاب المبدع الحقيقى الذى لا ينفك أن ينجو منها ليواصل طريقه، لذا فإننا نقرأ لـ محمود درويش أيضا: «أنا من تقول له الحروف الغامضات: أكتب تكن واقرأ تجد.. وإذا أردت القول فافعل.. يتّحد ضدّاك فى المعنى وباطنك الشفيف هو القصيد».
وأحمد الشهاوى نفسه يغادر حقول اليأس حوله ليكتب لنا أيضا «سأكتب.. لعلى أحكم دولتى وحيدا..دون برلمان.ودون شعب. ودون ذقون تقتل الكذب.. سلما للسماء.»
إن ازدراء الكلمات والاستهانة بالابداع واعتبار الثقافة رفاهية من البعض يمثل إضافة لمسلسل التقهقر الحضارى الذى تقع فيه بعض الأمم، فى ظل عالم نشط يتسابق لنكش المستقبل والتأثير فيه.
فالأمم المخاصمة للقراءة هى دون شك أمم تابعة، ناعسة، كتبت على نفسها التخلف إلى الأبد.
وما أتصوره، وما أؤمن به، وما أرجحه أن الدولة أى دولة مسئولة مسئولية مباشرة عن نشر الثقافة وتحفيز الابداع وتوسيع مدارك المعرفة. وإذا كانت الدولة دولة طامحة تسعى لنهضة وتتطلع لتقدم حقيقى، فإن مهمتها تتعاظم لتصبح تثوير الثقافة، وتحويلها إلى سلعة أساسية مثل السكر والزيت والأرز، وهو ما يتطلب مخصصات واضحة وكبيرة لدعم الكتب وإتاحتها للناس فى الأقاليم المهمشة.
من هذا المنطلق أتصور أن تمد الدولة المصرية ذراعا داعما فى ساحة الثقافة، وإن كنت أراه مازال فى حاجة لتشمير، وفاعلية، خاصة فيما يخص فتح النوافذ الجديدة للابداع فى النجوع والكفور والمناطق النائية فى الصعيد والوادى الجديد وسيناء.
لقد لاحظت فى المعرض الأخير للكتاب أن هناك زخما ثقافيا وإبداعيا غير مسبوق فى مصر، وأن جيلا من الروائيين، والباحثين، وكبار الكتاب يوشك أن يطل، ويبزغ، وأتصور أنه يجب على الدولة المصرية احتضانهم وتحفيزهم ومساندتهم بكل طاقة وجهد.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض