فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 ارتفعت أسعار البترول، وبدأت تدفقات مالية غير مسبوقة تجرى بعروق الدول المنتجة للنفط خاصة دول الخليج العربية الشقيقة، التى لم تكن عوائد النفط بها قبل حرب أكتوبر 1973 يمكن الاعتماد عليها لتحقيق خطط تنموية كبيرة.. بدأت خطط التنمية الحقيقية بدول الخليج من منتصف السبعينيات من القرن الماضى، واستقبلت أسواق العمل فى دول الخليج ملايين المصريين خلال نصف القرن المنصرم. ما يجب أن نتنبه له أن مواقف الدول من بعضها البعض ليست مجانية أو بدون مقابل، وهناك أثمان باهظة ودماء غالية دفعت وأريقت خلال أكثر من نصف قرن مضى، وبدونها ما كان للإقليم أن يكون بالصورة التى عليها الآن، ولا للتيجان أن تبقى فوق الرؤوس.
مصر دولة كبيرة، وليست جزيرة موز وعندما تواجه دولة مثل مصر ظروفا ضاغطة، فبقدر صعوبة الموقف ودقة اللحظة، فإن وجها آخر للأزمة لابد أن نلتفت إليه ونعمل من أجله.. الوجه الآخر للأزمة عبارة عن «فرصة» حقيقية للاعتماد على الذات، وأن نعظم مواردنا كدولة، وأن ننتقل من مربع الدولة التى تخطط وفى ذهنها التخطيطى مساعدات الأصدقاء، إلى الدولة التى تكتشف قواها الذاتية وتعظمها وتقفز إلى فضاء جديد من التطور سيؤدى حتما إلى بناء علاقات مع الدول الشقيقة أقوى مما كانت عليه فى السابق.. دول الخليج العربية يجب أن تظل فى قلب استراتيجية السياسة المصرية دولا صديقة تربطنا بها الكثير جدا من عناصر العمل المشترك.
قفزة مصر للأمام اعتمادا على أجنحتها الاقتصادية الجديدة ستحولها من «الشقيقة الأكبر للشقيقة الأقوى».. الظروف الإقليمية والدولية الراهنة تستدعى أن نكون الأقوى، وأن يكون اعتبار «الأكبر» اعتبارا عاطفيا موازيا وليس أساسيا نركن إليه.. ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة تماما، وظلت لسنوات فى حضانة الحلفاء المنتصرين طفلا يحبو ويساعده الآخرون على الحبو والوقوف. اليوم ألمانيا هى عصب القوة الأوروبية، والأقوى اقتصاديا بين كل الحلفاء الذين تكفلوا بحملها على أكتافهم لسنوات.. عندما أصبحت ألمانيا القوة الأكبر فى أوروبا، لم تحلق خارج السرب، أو تنقلب على أوروبا، ولكنها تحملت مسئولية أن تكون هى رمانة ميزان القارة العجوز وقلبها النابض بقوة.. مصر تستطيع أن تبدأ طريقا تصل منه إلى محطات جديدة كدولة قاطرة لمن حولها.. تستطيع مصر أن تكون الأقوى والأكثر تأثيرا فى الإقليم، والأقدر على حفظ نوع من التوازن الإقليمى المهم جدا.
الطريق لاستكشاف القوة الذاتية يفرض بالضرورة الانتقال من الحالة العاطفية والتاريخية لمصر الأكبر، إلى الواقع الجديد لمصر الأقوى. التحول والانتقال لن يكون سهلاً، أو ممهدًا من تلقاء نفسه، ولكى نصل لنقطة الأقوى فالدولة المصرية بحاجة إلى تغيير القواعد وليس ترميم الواجهة. مصر التى تجاوز تعداد سكانها المائة مليون نسمة لكى تصبح الأقوى فلابد للدولة المصرية أن تعى أن ثروتها الأولى والأساسية والغالية والخالدة موجودة بعقل ويد ملايين المصريين، وأن استنهاض هذه الثروة لا يتأتى إلا بتشاركية سياسية فاعلة وعقد اجتماعى حقيقى بين الناس والسلطة، وبدون ذلك يصعب السير للأمام..
رحلة الدول نحو القوة الذاتية الحقيقية تحتاج إلى علاقة تشاركية بين الحكم والناس، بعيدًا عن الممارسة الأبوية من السلطة، لأن أبوية السياسة تعزل الناس عن مجرى الحياة العام، وطلب التضحية وأداء الواجب فى هذه الحالة يكون ابتزازا أكثر منه مسئولية.
الدولة المصرية بكل تعقيدات الحاضر، أمامها فرصة تاريخية أن تعيد ترتيب البيت السياسى من الداخل وبهدوء وثقة، وفى نفس الوقت تقترب من العالم الخارجى بقدر ما يحقق لها الاقتراب من مصالح. المحيط العربى يجب أن يظل من أهم الدوائر فى مفهوم الأمن القومى المصرى، ودول الجوار يجب أن تظل خط التماس الأول لهذا المفهوم. الدول تكسب قضاياها حين تراهن على رصيدها بالداخل، وليس على ما سيأتيها من الخارج.. مصر تستطيع أن تكسب الرهان التاريخى شرط أن تتغير قواعد اللعبة التى تحكم رقعة الشطرنج السياسية من خمسينيات القرن الماضى.