خارج السطر
الدين ليس قوالب صماء، ليس طقوسا مُعتادة، وليس قيودا على العقل تمنعه أن يُفكر ويتدبر ويبحث.
يقول الله تعالى فى سورة العنكبوت آية 20 «قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
يلتقط المفكر المصرى عيسى بيومى، الآية السابقة ليُحلق فى ساحة البحث واستنطاق العلم لبيان حقيقة الوجود الإنسانى ومدى قدرته على التطور من خلال كتاب جديد صدر مؤخرا عن دار غراب للنشر بعنوان « الدين فى مستقبل البشرية».
يكشف الكتاب أن البحوث العلمية المتطورة انتهت إلى أن حدثا عظيما جرى قبل 13.7 مليار سنة أطلق عليه الإنشطار الكبير، أدى إلى نشوء الكون، ثم تكونت الأرض قبل أربعة مليارات سنة، وانطلق الإنسان الأول الأقرب شبها بنا عليها قبل ثلاثمئة ألف سنة.
ويرى مؤلف الكتاب أن علينا ألا نقيم حاجزا للتعارض بين رواية العلم لأصل الكون وتطوره، وبين الأديان عموما وما قدمه مفسروها من تصورات، وأن نترك لكل منهما مساره المفترض فى منفعة البشرية.
فالعلم مسئول عن المادى والمحسوس، والأديان مسئولة عن الروحى لدى الإنسان، لذا فإن على الخطاب الدينى أن يأتلف مع العلم ويألف قيادته للبشرية نحو مستقبل أفضل.
ويقول مؤلف الكتاب «إن العلم استنتج نظرية لنشأة الكون تعتمد على الملاحظة، وهو لم يلجأ للخيال ليقدر أعمار النجوم والمجرات وإنما أجرى تقديراته الزمنية بقوانين ثبت دقتها وتتبع النجوم بمناظير شديدة التطور آخرها تليسكوب جيمس ويب الذى يبعد 1.5 متر عن الأرض. وحين يأتلف العلم مع هذه النظرية فهو يأتلف مع واقع لا يمكن نكرانه ونتائج تؤكدها الحسابات الدقيقة وليس بالضرورة أن يهدم ذلك تفسير الأديان لنشأة الكون أو يطلب الحيلة فى تأويلها لأن النصوص المقدسة تخاطب وجدان المؤمن بينما حقائق العلم تخاطب عقله، ولا يمكن لإنسان أن يكون إنسانا إلا بروحه وجسده.»
ومن هذا المنطلق يرى عيسى بيومى، الذى جاب قارات العالم متدبرا ومحللا أنه لا ينبغى أن نقرأ نظرية دارون للتطور باعتبارها إنكارا للخالق أو جحودا للدين. فلقد أثبت التحور الجينى وجود كود جينى موحد لكل الكائنات من إنسان وحيوان ونبات.
وفى تصوره، أن التطور العلمى أزاح من المسلمات ما انتمى خطأ إلى الدين وهو ما يجب أن تتآلف معه الأديان ليس باقحام التفسير الدينى على نتائج العلم وإنما بفهم نتائج العلم وقبولها وتقديرها كنتاج بشرى يستوجب بعدا أخلاقيا مرشدا يقدمه الدين.
لكن يبقى السؤال المهم: كيف يمكن إنجاز ذلك. ويجيب المؤلف فى كلمتين «ثورة فى التعليم».
لقد اختلف العالم تماما خلال القرن الواحد والعشرين عما كان قائما منذ عشرة قرون، فزاد عدد البشرية من 400 مليون نسمة إلى ثمانية مليارات نسمة أى عشرين ضعفا، واكتشفت ثلاث قارات، وقامت أربع ثورات صناعية غيرت حياة الإنسان، ورغم كل ذلك تهدد دولة عظمى جارتها باستخدام السلاح النووى معها، ويرتفع الانفاق العسكرى العالمى طبقا لمعهد استوكهولم لأبحاث السلام إلى 2.1 تريليون دولار.
ويعنى كل ذلك أننا فى حاجة ماسة للأديان باختلاف معتنقيها ليس من باب المنافسة والمقارنة وإنما من باب الاتفاق الإنسانى على القيم الثابتة التى لا تتغير مثل إغاثة الجوعى والمرضى والفقراء، والحفاظ على حياة البشر، ونبذ العنف ومكافحة الفقر.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض