«أنا عميل سرى إسرائيلى أشتغل فى خدمة الوكالة العامة للمخابرات والأمن فى إسرائيل، واسمى إلياهو بن شاؤول كوهين، وأعيش مع زوجتى وثلاثة أولاد فى بات يام بالقرب من تل أبيب»، كانت تلك الكلمات جزءاً من اعترافات الجاسوس الإسرائيلى «كامل أمين ثابت» أو «إلياهو كوهين» بعد القبض عليه من قبل السلطات السورية فى يناير 1965.
تلك القضية فى ذاك التوقيت بكل تفاصيلها وشهرتها كانت هى الأخطر فى قضايا التجسس، أو كما جاء فى كتاب «الانفجار» للأستاذ محمد حسنين هيكل: «كانت عملية إيلى كوهين أهم هذا النوع من العمليات فى العالم العربى كله»، ويقول هيكل: «كان الجاسوس الإسرائيلى ضيفاً مدللاً على الدوام عند أعلى مستويات القيادة السياسية والعسكرية فى سوريا، وبحكم صلته بالفريق أمين الحافظ الذى أصبح على رأس الدولة، تعرَّف على الكثير من الضباط والدبلوماسيين وحتى الوزراء، وأصبحوا يثقون فيه باعتبار قربه من السلطة العليا، ووصل الأمر إلى أن إيلى كوهين قام أكثر من مرة بزيارة الجبهة السورية، ودخل أخطر تحصيناتها فى الجولان».
وإن كنت تبحث عن إجابة السؤال: لماذا نكتب الآن عن «إيلى كوهين» بعد مرور تلك السنوات، فعليك أن تستبعد توقيت يناير، وهو الشهر الذى تم فيه اعتقال «كامل أمين ثابت» من الإجابة، وعليك أيضاً أن تنحِّى من قائمة الأسباب قيام ابنته مؤخراً بمناشدة دولة عربية بالتوسط لدى سوريا لعودة «جثمان والدها»، كذلك لا تضع خبر افتتاح «تل أبيب» متحفاً لإحياء ذكرى «كوهين» باعتباره معجزة إسرائيلية فى قائمة اختياراتك، لأن الدافع الحقيقى للكتابة بكل بساطة، هى تلك الأجواء من التوترات والاضطرابات التى تحدث حولنا، والتى أفرزت نوعية من الأخبار تتعلق بعمليات التجسس لم نكن نراها بهذا الكم من قبل، وإليك نماذج من تلك العناوين.. «إيران: القبض على جواسيس يعملون لصالح الموساد.. دمشق تستعين بحزب الله وتعتقل عشرات الضباط الجواسيس لإسرائيل.. إخضاع العشرات للتحقيق بتهمة إعطاء إحداثيات لإسرائيل بعد الضربات الأخيرة على مطارى حلب ودمشق».
هذه الأخبار وتلك الأجواء تعيد للأذهان بقوة قضية «إيلى كوهين»، وكيف أصبح «كامل أمين ثابت» نتيجة الاضطرابات وعدم الاستقرار، مقرَّباً من دوائر السلطة فى سوريا، ومكنه ذلك من الدخول- وبكل سهولة وثقة كرجل شديد الوطنية- إلى أخطر تحصيناتها فى الجولان.
اللافت للانتباه فى متابعة قضية الجاسوس «إيلى كوهين»، هى سرعة العقيد أحمد السويدانى مسئول الاستخبارات السورية وقتها، واعتقاده أنه يمكن تجنيد «إيلى كوهين» وفتح قناة إخبارية داخل «الموساد» بهذه السهولة، دون أن يأخذ الوقت الكافى لدراسة شخصية «كوهين» بشكل أكبر وأوسع قبل اتخاذ هذا القرار. فخلال استجواب «إيلى كوهين» وعده العقيد «السويدانى» بأن يحسن وضعه إذا وافق على إرسال معلومات خاطئة إلى إسرائيل، ووعده «السويدانى» بأنه سينقذ حياته إذا اختار التعاون، وبعد أن قام «كوهين» بالموافقة، وقام بإرسال ما طلبه «السويدانى»، جاء الرد من تل أبيب بأن الرسالة لم تكن واضحة.. وطلب الموساد تكرار الرسالة، واستمر «كوهين» فى إرسال ما يُطلب منه، وكان الجانب الإسرائيلى مصرَّاً على أن الاستقبال كان رديئاً!!
كانت تلك الرسالة الواضحة تماماً هى رسالة تحذير من «إيلى» للموساد، حيث كان الاتفاق أن جميع الرسائل خلال عمل «كوهين» فى دمشق يكون السطر الأخير منها مشوشاً وغير مفهوم، وكان النص الواضح والمتماسك فى الرسالة يعنى أن المرسل أصبح رهن الاعتقال و«التوقيف»!!.. وفى النهاية تم إعدام «إيلى كوهين» شنقاً فى ساحة المرجة بدمشق 1965، ولم تقبل سوريا أى وساطات أو صفقات للإفراج عنه.
- أخيراً.. رغم التطور التكنولوجى الهائل، يبقى العامل البشرى هو الأهم والأخطر فى عمليات التجسس، ويبقى نموذج «إيلى كوهين» ورحلته من مولده فى الإسكندرية 1924 وتفاصيل حياته فى الحى اليهودى، ثم هجرته إلى تل أبيب فى الخمسينيات من القرن الماضى، وتجنيده بعد ذلك وزرعه فى سوريا تحت ستار شخصية عربية لبنانية مسلمة من أصل سورى ليصل إلى ما وصل إليه، نموذجاً يجب وضعه فى الأذهان دائماً، خاصة تلك السطور المشوشة والواضحة فى رسائله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض