إذا كان الحب يصنع المعجزات، فالاحترام يبنى الواقع، استمرار الحياة مرتبط بتطور الواقع، أما المعجزات فهى حالات استثنائية تتجاوز الواقع وأحيانًا العقل.. وأشهر قصص الحب أكثرها فشلاً، أما أطول روايات الحياة فهى التى كان الاحترام سيد كل فصولها.
من مطلع القرن الماضى وحتى نهاية الستينيات تقريبا، عاش المصريون حالة من الرومانسية، انعكست على كلامنا وأغانينا وملابسنا وأحلامنا، والأهم من كل ذلك أنها انعكست على علاقات الناس بعضهم البعض.. رومانسية الخمسينيات والستينيات لم تكن تحليقًا فى الفضاء بلا أجنحة، ولكنها كانت اكتشافًا لطاقات مجتمع ونظام حكم، وتعبيرًا عن حالة احترام رائعة بين كل العاشقين للحلم.. النظام انحاز إلى البسطاء بعقله وعواطفه واحترامه الكبير لدور أبناء هذه الطبقة التى حفرت قناة السويس وزرعت وبنت وأنجبت لمصر عمالقة الآداب والفنون والعلوم.. الناس انحازوا للنظام إلى حد العشق، ولكنه لم يكن عشقًا أبله وإنما عشق المدرك لجمال وروعة وصفاء مقاصد من يحب.
مشكلتنا فى مصر منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضى أننا نتكلم كثيرًا عن الحب ولا نحب، ونعشق الرياضة ونفتقر للخلق الرياضى، ونندب حظنا أن سوق السياحة مضروب، ولا نملك الحد الأدنى من الثقافة السياحية وثقافة استقبال الزائر.
كثيرًا ما نبكى على زمن فات من الاحترام والأمانة والمودة بين الناس ونحن نمارس حياتنا بشكل مغاير تمامًا لهذا الزمن الذى نبكى عليه.. شيء غريب كيف يتحدث كل الناس تقريبا فى اتجاه واحد ويسيرون عكسه.. هل نحن مصابون بحالة انفصام جماعية؟ هل نحن أدمنا الكلام واعتبرناه يغنى عن الفعل؟ كيف لشعب قبل مائة عام كان يعانى أكثر من تسعين بالمائة منه من الأمية ومع ذلك عشقوا وحفظوا أغانى أم كلثوم وعبدالوهاب ورددوا قصائد أروع الشعراء المصريين وغير المصريين، ثم بعد أن تعلم معظم المصريين إذا بهم يعجزون حتى عن التحدث بعربية سليمة ويعرضون عن الفنون الراقية، وعازفون عن القراءة وإن قرأوا راحوا للتسلية، لدرجة أن كتب التنجيم والتخسيس تبيع أكثر من روايات نجيب محفوظ، ويهربون للمستقبل بالاختباء وراء الماضي.
ماذا حدث لنا؟ سؤال قصير لكن أهمية وخطورة الاجابة عنه أن ما حدث لنا نتيجته ظاهرة جدًا فى مختلف مناحى الحياة. أخطر شيء أن يتحول العبث إلى معقول ونتعود عليه ويصبح المعقول بعد وقت ما عبثيًا وثقيلًا على النفوس ومنفرًا لمعظم الناس.. هذه الحالة إذا تحكمت بثقافة مجتمع فإن فرص تقدمه تصبح ضئيلة.. خطط الدولة مهما بلغت درجة الطموح بها ستظل بحاجة إلى وعى جمعي.. إلى شعب قرر أن يحترم نفسه واجياله القادمة.. إلى جيل جديد يعتزل ترف إهدار الوقت ويتعود على أن الخبرات والمهارات لا تتكون على النواصى والكافيهات ولكن هناك قنوات أخرى موصلة إلى ذلك.
الدين ليس معطلًا للتقدم ولكن التدين الكاذب والمتخلف هو المدمر للحياة كلها.. لو كنا مؤمنين بأن الله خلق الكون بشرًا وحجرًا وكائنات من كل لون وجنس، فالطبيعى أن هذا الخالق ليس بحاجة إلى أن نتقاتل ونسفك دماء بعضنا البعض بحجة الدفاع عن الله والحفاظ على شريعته.. نحن الذين بحاجة دائمة إلى رحمة من خلقنا وكرمه، أما من يدعون أنهم الأكثر حرصًا على دنيا الله وقوانينه فإنهم الأكثر عداوة لله والإنسان والإنسانية.. العاشقون يحترمون معنى العشق.. ومن يعشقون بلا احترام لقوانين العشق فإنهم خارجون على القانون ومهاجرون غير شرعيين إلى قلوب فقيرة.