قبل التعقيب على ما يتم تداوله بشأن «العمالة المصرية» فى دولة الكويت الشقيقة من المنع والحظر والوقف حتى إشعار آخر، حسب ما نشرته جريدة القبس الكويتية، أريد التأكيد على حق الكويت المطلق فى اتخاذ ما تراه مناسبًا من الإجراءات لصالحها.
لم يؤلمنى هذا القرار، بقدر ما آلمنى الذين سارعوا بالتعليق على هذا الخبر بنوع من البهجة و«الشماتة» التى تصل إلى درجة «السِّباب» فى حق العمالة المصرية هناك، وهذا ما لا أرضاه ولا أقبله كمصرى يحب بلده وأهله.. وأتساءل لماذا كل هذه الهجمة العنيفة والمسمومة تجاه أهلنا الذين ساقتهم الأقدار، ودفعتهم الأسباب للعمل خارج البلاد، لماذا هذه القسوة التى تخرج من أفواه هذه النفوس تجاه أهالينا دون غيرهم؟!
ودون الدخول فى الإجابة عن الأسئلة السابقة، أقول لهذه النفوس المتحجرة، قبل أن تنشروا سمومكم تعلموا من الأجداد والرواد الكبار، تعلموا المحبة والإخاء من هذا الخطاب الذى أرسله سعادة رئيس محاكم الكويت الشيخ عبدالله الجابر الصباح، إلى معالى وزير العدل بمصر بتاريخ 28 يونيه 1951 يطلب فيه تجديد انتداب فضيلة الشيخ محمد كامل الشمسى رئيسًا للقضاء الشرعى، وكتب فيه:
«حضرة صاحب المعالى وزير العدل بمصر، تحية واحترامًا وبعد، فبمناسبة سفر حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد كامل الشمسى رئيس القضاء الشرعى المنتدب للكويت، أبعث كتابى هذا لمعاليكم مضمناً إياه شكرى وتقديرى للمساعدات التى تفضلت بها علينا الحكومة المصرية بصفة عامة ووزارة العدل بصفة خاصة، وخصوصًا التوجيهات السامية من لدن حضرة صاحب الجلالة الفاروق العظيم من رسالة سامية فى ربوع بلادنا العربية، وذلك بإيفاد أمثال حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد كامل الشمسى ليتولى منصب رئاسة القضاء الشرعى فى إمارة الكويت.
ونظرًا لما لنا بفضيلته من ثقة تامة فإننا نرجو من معاليكم تجديد انتدابه كرئيس للقضاء الشرعى فى إمارة الكويت لكفاءته واضطلاعه بشئون القضاء، ولما هو عليه من أخلاق كريمة ورزانة محمودة وعفة وطهارة أرضت الحاكم والمحكوم، وأرضت الكويتيين عامة حكومة وشعباً..... ولهذه الأسباب نرجو غاية الرجاء وأشده تحقيق رغبتنا هذه، والتكرم بإفادتنا بالموافقة فإنه بخدمته الكويت إنما يخدم مصر والكويت معاً».
هكذا كان الخطاب بين الأشقاء، لا توجد بينهما لغة الحظر والمنع والإيقاف حتى إشعار آخر.
ــ أقول لمثل هذه الأصوات المسمومة هل تعلمون أن أول من تعاطى مهنة «التلقيح» ضد مرض «الجدرى» فى الكويت كان الشيخ مساعد بن عبدالله العازمى المالكى، رحمه الله، حسب ما جاء فى كتاب من «هنا بدأت الكويت» لـ«عبدالله خالد الحاتم– الصادر 1962»، عندما غادر الشيخ «مساعد» إلى مصر فى 1885، وكان أحد الأسباب التى دعته إلى تعلم هذه المهنة أنها تُعتبر مصدرًا للكسب، ولأهميتها بالنسبة لبعض البلدان العربية التى كثيرًا ما يتفشى بين سكانها هذا المرض الخبيث، ولعدم وجود أطباء لمقاومته، ومنها الكويت التى كان هذا المرض يزورها كل عام.
ــ وأحكى لكم قصة هذا الشيخ الجليل كما جاءت فى «كتاب ملامح من تاريخ الكويت لـ د.يعقوب يوسف الغنيم» حيث يقول:
وصل الشيخ «مساعد» إلى القاهرة وبحث عن الأزهر حتى اهتدى إليه، يقول سألونى من أين أنت؟ فقلت لهم من الكويت فرحبوا بى، وأدخلونى الجامع فصليت حمداً لله على أن يسر لى هذه النعمة، ثم بعد ذلك توجهت إلى هؤلاء الطيبين الذين بادرونى بالترحاب، فقالوا لى أتريد طلب العلم هنا؟ فقلت لهم نعم، أريد دراسة الفقه والنحو، وأريد أن أتعلم مهنة أعتاش منها، وقد رتبوا أمر دراستى وخصصوا لى راتبًا مع تكلفهم بالأكل والملبس وكافة ما أحتاج إليه»، ويقول الكتاب إن الشيخ «مساعد» أمضى فى مصر نحو سبع سنوات، لقد نفع الشيخ «مساعد» الناس فى مجالين مهمين، وهما مجال العلم ونشره، ومجال العناية الصحية عن طريق التطعيم ضد الجدرى وهو ما تعلمه فى مصر.
أترون كيف كانت المحبة والإخوة والترحاب والاستقبال، لماذا إذن هذه الأصوات «الشامتة» البائسة المسمومة التى تتربص بالعمالة المصرية وتطعنها بأوصاف لا تليق؟!
ــ إلى هذه الأصوات التى تحرض على العمالة المصرية وتقول إنها تشكل خطرًا على التركيبة السكانية بعد الزيادة الكبيرة فى أعدادها، أذكر لكم ما جاء فى كتاب «مختصر تاريخ الكويت» لـ«راشد عبدالله الفرحان 1960» متحدثًا عن علاقة الكويت بالجمهورية العربية المتحدة ولبنان، ويقول إن الكويت تستقدم من هذه البلاد المدرسين والأساتذة على الأخص الإقليم الجنوبى «مصر» ما لم تستقدمه من أى بلد آخر من حيث العدد.. هكذا كنا، فلماذا هذا التخوف ولماذا هذه الفتنة؟!
فى النهاية.. أناشدكم بحق أول كتاب مطبوع فى الكويت الذى تم طبعه فى مصر بالمطبعة الخيرية 1871م.. لا داعى للغة الحظر والمنع والإيقاف، لكيلا تستغلها أصوات تبث سمومها ضد أهالينا.. دامت المحبة والأخوة بين الأشقاء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض