التفاف سكان الكرة الأرضية حول احتفالية كأس العالم مرة كل أربع سنوات، يعطينا أمل أنه لا يزال هناك ما يجمع بين 8 مليارات إنسان يسكنون الكوكب، هذه المناسبة الكونية فى نسختها الحالية، والتى تنظمها بنجاح يستحق الإعجاب والتقدير دولة قطر الشقيقة أتت عقب ما يقرب من 3 سنوات مما يشبه حظر التجول العالمى بسبب جائحة كورونا، وما إن لاحت فى الأفق تباشير الانتصار على كورونا إلا وحبس العالم أنفاسه من جديد إثر اشتعال حريق فى قلب أوروبا منذ فبراير الماضى والمعروف بالحرب الروسية الأوكرانية والمستمرة حتى الآن. احتفالية كأس العالم الحالية يؤكد جمهورها متعدد الألوان والثقافات والأطياف سواء الذين هرولوا إلى قطر أو ملايين الملايين حول العالم أن الإنسان الذى تمزقه الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة والأزمات الاقتصادية الخانقة تفك كربه كرة صغيره بين أقدام 22 لاعب داخل مستطيل أخضر.. نفس الإنسان المتعلق بكرة القدم ومشاهيرها والذى يطير فرحا مع هدف ينتظره لفريق يشجعه، هو نفسه الإنسان الذى تجبره السياسة وأمراؤها على الذهاب لميادين القتال وحمل السلاح والقتل والتدمير فى حروب غير عادلة فى معظمها، وكان يمكن تجنبها لو هزم حلم السلام كوابيس الحروب.
عرس كأس العالم فرح كبير يحضره المليارات بلا دعوه، وبملابس غير رسمية، ويبتسم الجميع للجميع، ويرقص الكل على أنغام لحظات مسروقة. الفرح العالمى يتمتع جمهوره بمساواة نادرة بين الجميع– يتابعه أناس من قصورهم الفاخرة ومدنهم بالغة الترف، وآخرون فقراء على هامش الحياة والحب والبهجة، يتابعون نفس الصورة وفى نفس الوقت وبكل التفاصيل ولنفس الغاية من داخل النجوع، والحارات الفقيرة، وعشش الصفيح، ومخيمات اللاجئين. كرة القدم وحكامها أكثر رحمة وسلاما وعدلا من أباطرة السياسة الذين يديرون لعبة الشطرنج العالمية بشراسة وعنف. لغة السياسة حروفها وإن بدت ناعمة إلا أنها تاريخيا ملغمة.
لو تخيلنا أن القانون الدولى يطبق بدقة قوانين كرة القدم حتى فى أبسط المسابقات المحلية بأصغر الدول، لكان العالم غير العالم. مثلا لو أن الأمم المتحدة لها قوة الفيفا لما كانت إسرائيل دولة من الأساس، وكان نصيبها منذ بدايات القرن الماضى الكارت الأحمر الذى يحرمها من المشاركة فى لعبة الأمم لتورطها فى تعاطى العنصرية والاحتلال البغيض. لو أن مجلس الأمن تشكل بقواعد تشكيل الفيفا لتمثلت به مجموعة دول من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتساوت حقوق الأعضاء، دون تمييز بين دائمين وغير دائمين، ولما سمعنا عن حق الفيتو لخمسة أعضاء فقط يحكمون العالم، مما يرسخ نوعا من الديكتاتورية الدولية. قال لى المرحوم الدكتور بطرس بطرس غالى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة فى لقاء تلفزيونى إن الرئيس الأمريكى الأسبق «بوش الأب» أول من تنبه لدعوتى لتطبيق مفهوم «الديمقراطية الدولية» فى أول كلمة لى أمام قادة الدول الخمس دائمة العضوية بعد تسلمى مباشرة لمنصبى، وسألنى مبتسما: ماذا تقصد يابيتر «بطرس» بالديمقراطية الدولية؟ وأضاف الدكتور غالى: إنه من هذه اللحظة قررت أمريكا الدولة أن لا يتم التجديد لى أبدا فى منصبى، وخرج بوش الأب وجاء كلينتون واستمرت سياسة أمريكا لاقصائى – وقد كان لأن بوش فهم من دعوتى أننى أقصد بالديمقراطية الدولية الدعوة لتوسيع قاعدة مجلس الأمن وتساوى الأعضاء فى الحقوق.
ولأن الأمم المتحدة ليست الفيفا – استمر أكبر منبر دولى رهن مصالح وإرادات الدول الكبرى التى تلوح بالسلام وتغذى الحروب–وتروج للعدالة، وتنهب الشعوب – وتدعو للحوار، وتنشر الفتن، وتعد بالرفاة وتوزع الفقر على المستضعفين. ربما ما يدعونا للسخرية ونحن نتابع بفرح وبهجة مباريات كأس العالم، أن المعنى الوحيد والحقيقى للقانون الذى يطبقه ويحترمه الجميع حول العالم هو ذلك القانون الذى اختص بأقدام 22 لاعبًا وكرة صغيرة – أما العالم خارج الملاعب فيقترب من حالة اللا قانون.