لا يحتاج أحد إلى دليل ليعرف ويعى ويدرك أن الأسعار التى تحيط بنا، قد فاقت فى توحشها قدرة التعايش معها، أو التكيف مع مخالبها وأنيابها التى باتت تنهش إدراكنا البصرى والسمعى والعصبى، وسواء كان الدولار هو السبب الرئيسى فى حالة التبخر«اللا إرادى» لمخزون جيوبنا الإستراتيجى، أو كانت أطماع عدد من التجار هى مسببات ذلك الاحتباس الحرارى الذى يضرب الأسواق ويصيب قنوات اللاوعى لدينا بالشلل، أو كنت ممن يؤمنون بأن هذا التوحش للأسعار نتاج الصراع العالمى المتجسد فى الحرب الروسية الأوكرانية وأحد أبرز مخلفاتها، كل هذا وذاك لا يهم ولا يفيد، فتعددت الأسباب و«النهش» واحد!!
- حالة الشكوى من الأسعار المنفلتة وغير المنضبطة، لم تكن وليدة اليوم أو أمس أو قبل أمس، ففى عام 1917 نشرت جريدة اللطائف المصورة لصاحبها إسكندر مكاريوس فى عددها الصادر يوم الإثنين 12 مارس، صفحة ساخرة تحت عنوان: « قانون الغلاء الفاحش نحو الجوع الكافر»، تنتقد فيه وبه جشع التجار وأطماعهم بطريقتها الفكاهية، ووضعت الجريدة 14 مادة لهذا القانون التخيلى والصادر فى كَفْرْ التجار الطمَّاعين.
- وقبل أن أسرد تفاصيل هذا القانون الهزلى الذى نشرته الجريدة، أود أن ألفت انتباه القارئ الكريم، أن وقت نشر هذه المواد التخيلية –عام 1917– كانت الحرب العالمية الأولى لم تنته بعد، وضربت المجاعات عدد من الدول فى هذا العام.. وإلى نص مواد القانون:
- بدأت الجريدة استهلال القانون كالتالى: بعد الاطلاع على «المادة أيديها للتسول»، وبناء على ما عرضه علينا أحد التجار القاطنين بكفر الطمَّاعين، وبعد موافقة مجلس الأنُس الهنى أمرنا بما هو آت:
المادة الأولى: بيع العيش الاعتيادى يكون بمعرفة التجار الطمَّاعين بعد استجلابه من المخابز المغشوشة.
المادة الثانية: العيش الخاص يصير بيعه فى الأجزاخانات داخل برشامة يتعاطى بها من عضه الجوع بنابه، بناء على شهادة تعطى له من طبيب كفر الطمَّاعين.
- وتناولت المادة الثالثة حق الخبازين فى أن يضيفوا على العيش البلدى ما يشاءون من الجبس المعصراوى و«القصرمل» – القصرمل مادة تنتج من مخلفات الحرق بالأفران – ويحق للمقاولين الإشراف على المخابز والجباسات، وأقرت المادة الرابعة من هذا القانون بأنه: يتحتم على كل جائع أن يأكل عشرة أرغفة كل مرة، هذا إن استطاع دفع المبلغ وإلاَّ يموت جوعاً، ونصحت المادة الخامسة المخابز بأن تصغر العيش بقدر الإمكان حتى يكون مما خف حمله وغلا ثمنه، وجعلت المادة السادسة العيش «الملدن» من الأحجار الكريمة والعيش «الفينو» من الآثار القديمة، ولا يجوز بيعه إلا فى خان الخليلى.
- أما المادة السابعة فقد نصحت كل صاحب بيت أو رئيس عائلة، أن يبيع منقولات بيته ليأتى لأولاده بعشوة ليلة، وقدمت الثامنة النصح لأصحاب المخابز وجميع الخبازين والعجانيين بأن ينزعوا الرحمة من قلوبهم كما نزعوا القمح من الخبز، وحددت المادة التاسعة من هذا القانون الساخر عقوبة كل من يعثر على رغيف عيش أيام وسنين الرخاء، ولم يسلمه للجنة حفظ الآثار، بأن يعاقب بأكل وشه، وأخلت المادة العاشرة مسئولية المخابز وتجار الدقيق عما يحدث للأمعاء من النزلات الشعبية والإمساك وعسر الهضم.
- وجاء نص باقى مواد القانون الساخرة والساحرة كالتالى:
المادة الحادية عشرة: على تجار القمح أن يعملوا من الحبة قبة، وان يعتبر قولهم كالسعر الداير فى البلد مثل الأمراض والأوبئة بدون تداخل مصلحة الصحة.
المادة الثانية عشرة: على عموم الجزارين ألا يذبحوا المواشى، ويكتفوا بذبح أصوات الزبائن «سلفًا» ولا يجوز لأحد إدخال اللحمة على أولاده إلا إذا كان من عضمة خشنة، وللجزارين الحق فى تقطيع الفروة ومن خالف ذلك نسلخ جلده.
المادة الثالثة عشرة: على تجار السمن أن يسيحوا فى عموم البلاد، وأن يكون مركزهم بركة الرطل، ولهم حق بيع الجوز بدل المفرد، كذلك يخول لهم استجلاب بضائعهم من الشحم النقى المخصص لعجلات قطارات السكة الحديد.
المادة الرابعة عشرة: على عموم التجار والمصريين تنفيذ هذا القرار كل فيما يخصه.
صدر القانون بسراى رأس الحكمة مخافة الله فى عبيده البائسين
الإمضاء: كل بعضك
- فى النهاية وبعد مرور أكثر من مائة عام على نشر «اللطائف المصورة» لهذا القانون الخيالى، ما زالت شكوى الغلابة من التجار الطمَّاعين فى «كفر الطمَّاعين» مستمرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض