خارج السطر
منحنا الله العقل لنفكر، ونتبين، ونعرف الصواب من الخطأ، ونُضىء كثيرا من العتمات التى تحيط بنا.
لكن المنتفعين بكل شىء فى زماننا حتى الدين، يصرون على تغييب العقل، وتنحيته، وترسيخ عشوائية النقل والتقليد وتصديق الأقوال المرسلة، والمرويات الخارقة عما يُعرف زورا بمصطلح «الطب النبوى» وكأن النبى الكريم «ص» بعث طبيبا لا هاديا ومبشرا ورسولا.
وحسبنا أن نجد مؤلفات لا حصر لها فى هدى النبى «ص» فى التداوى من كافة الأمراض، بل وفى العلاج بالقرآن من كل داء، رغم أننا لو فكرنا بقليل من العقل لوجدنا أن النبى كان يلجأ إلى الطب والأطباء فى عصره.
وهناك بزنس كبير فى هذا الشأن، فثمة دجالون، ومدعون، ونصابون يتكسبون من الحجامة، والرقية الشرعية، والعلاج بالقرآن، والتداوى بالأعشاب، وبالعسل، وببول الحيوانات، وبكثير من العادات البدوية الموروثة من قبل الإسلام، والتى ألحقت بباب الطب النبوى عبر العصور.
وينسب مصطلح «الطب النبوى» إلى القرن الثامن الهجرى عندما صدر كتاب للإمام الذهبى يحمل العنوان ذاته، ثم أضاف ابن القيم الجوزية الفقيه الشهير وتلميذ ابن تيمية، كتابا تفصيليا فى هذا الشأن، وقال فيه بوجود طب نبوى أعجز الأطباء، غير أنه أشار إلى أن هدى النبى فى الطب قد لا يناسب إلا سكان الجزيرة العربية، ثم جاء المفكر النابه ابن خلدون من بعدهما لينقد المصطلح، ويؤكد أن كل ما ذكر باعتباره طبا نبويا هى عادات بدوية مجربة قبل مجىء الإسلام ولا علاقة لها بالوحى.
ويقول ابن خلدون «والطب المنقول فى الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحى فى شىء وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب. ووقع فى ذكر أحوال النبى صلى الله عليه وسلم، من نوع ذكر أحواله التى هى عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه «ص» إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». فلا ينبغى أن يحمل شىء من الذى وقع من الطب الذى فى الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك.»
إن المتابع للمعارف العلمية فى العالم الآن يدرك جيدا أننا لا نتحرك من أماكننا. خلف الخلف. نغيب فى لجة الماضى، وننتظر المصادفات والمعجزات. نريح أكفنا على خدودنا ونستغرق فى سبات عميق. نستسهل التقليد والتكرار ونتكاسل أن ندرس ونتعلم ونقدم للعالم ما ينفع، ثم نُسمى العلم نبويا، والطب نبويا، والزى نبويا، ولا نأخذ بالأخلاق النبوية.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض