طلّة
لو كنت مكان روسيا وفرنسا وإسبانيا لرفعت قضية على هيئة السكك الحديدية المصرية. قضية مضمونة المكسب حيث اعتادت الهيئة على إطلاق أسماء أجنبية على بعض قطاراتها توحى بأن هذه القطارات تنتمى لجنسية هذه الدول. خذ عندك مثلاً يوجد لدينا فى مصر القطار الإسبانى والقطار الفرنساوى والقطار الروسي. أسماء كما ترى رنانة تجذبك بقوة تجعلك حريصاً على ركوب أى منها فى سفرك خاصة لو كنت مثلى من أبناء الصعيد الذين يركبون القطارات لمسافات طويلة حتى يصلوا لأسرهم وذويهم فى الصعيد.
قضيت نصف عمرى تقريباً مترجلاً بين قطار وآخر فلم أجد أى صفة أوروبية حقيقة لهذه القطارات التى تحمل أسماء الفرنساوى والإسبانى ولا حتى الروسي. إن هى إلا أسماء سميناها نحن وآباؤنا ليس لها أى علاقة بأى صفة من صفات القطارات الإسبانية أو الفرنسية التى يتغنى بها كل من جربها فى بلادها أو حتى نحن الأغلبية الصامتة التى تشاهدها فى الأفلام الأجنبية. فالقطار فى أوروبا والدول المتقدمة عبارة عن قصر فخم يضم عربات آدمية تقل آدميين حقيقيين, كل ما فى القطار يلمع من شدة النظافة. الكراسى مشدودة وكأنها فابريكة، الأرضيات تبرق وكأنها إعلان عن أحدث أنواع الأرضيات التى اخترعها العالم. أما عن نظافة دورات المياه فحدث ولا حرج حتى إنك تشعر أنه منذ تدشينها وحتى قررت أن تستخدمها لم يسبقك أحد إليها. نوافذ تشرح القلب.
منذ أيام اضطررت لاستخدام قطار يطلق عليه القطار الروسي. ركبته من محطة الأقصر فى السادسة صباحاً متوجهاً إلى سوهاج. تأملت القطار من الخارج ومن الداخل فلم أجد فيه شيئاً يمت بأى صلة بروسيا اللهم إلا إذا كان المقصود أن عربات القطار من الحديد وأن روسيا بلد مشهور بالحديد القوى المتين. نوافذ معتمة, كراسى قاسية لا تتحرك يميناً ولا يسارًا ولا للوراء أو الأمام. استغرقت بنا الرحلة أكثر من أربع ساعات. وفى طريق العودة استقللت نفس القطار من محطة سوهاج عائداً للأقصر. ركبت حوالى الرابعة والنصف عصراً. سألت الركاب الذين كانوا فى القطار لحظة وصوله لمحطة سوهاج عن مكان وتوقيت ركوبهم القطار، فقال الأغلبية إنهم استقلوا القطار من محطة القاهرة فى الخامسة والنصف صباحا. تخيل أنهم قضوا حتى الآن تسع ساعات كاملة ولا يزال أمامهم خمس ساعات مثلا على الأقل ليصلوا الأقصر باعتبارها المحطة النهائية للقطار. أنا على ثقة لو أن عدّاء روسياً بدأ يجرى من القاهرة تجاه سوهاج فى نفس توقيت تحرك القطار الروسى لكان قد سبقه بزمان.
عندما تعرف أنك سوف تركب القطار الإسبانى ربما أول ما يتبادر إلى ذهنك الرشاقة والانطلاق فى الحركة فإذا بك تمتطى دابة كسولة بطيئة, أما إذا عرفت أن القطار الذى سوف تركبه اسمه القطار الفرنساوى، ربما يخيل إليك أنك ستشم بداخله روائح العطور الفرنسية الشهيرة، أرجو من هيئة السكك الحديدية أن تكون واقعية وتسمى الأشياء بمسمياتها. فلا بأس بأسماء مثل الأسيوطى أو السوهاجى أو الأسوانى نطلقها على قطارات الصعيد أما انتحال صفة الإسبانى والفرنسى والروسى، فهى جريمة يعاقب عليها القانون, باعتبارها جريمة تزوير فى قطارات رسمية!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض