بعد أن ملأنا الدنيا شكوى وضجيجاً وصراخاً وعويلاً، وأصبحت ألقاب «المافيا» و«الوكر» تسبق مراكز الدروس الخصوصية، وتنافست الصحف والقنوات على نشر أخبار حملات السادة المسئولين لملاحقة هذه الأوكار وإغلاقها، فاجأ الدكتور رضا حجازى، وزير التربية والتعليم الجميع، وألقى قنبلة تقنين مراكز الدروس الخصوصية أمام البرلمان.. والسؤال: كيف نقوم بتجريم الدروس الخصوصية على اعتبار أنها عمل غير أخلاقى، ثم نقوم بتقنين وضعها؟!.
- وكنا قد أشرنا فى مقال سابق إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية يبدأ من المدرسة، وحذرنا من أن يتحول التعليم من خدمة إلى سلعة، ولكن بعد خطة تقنين الدروس الخصوصية، يكون السيد الوزير قد اعترف رسمياً بأن التعليم أصبح سلعة تباع وتشترى فى الأسواق، تقوم على مبدأ العرض والطلب، يحصل عليها من يستطيع دفع الثمن، وكأى سلعة أخرى سيكون الهدف الأول لهذه التجارة هو الربح، وقد تتعرض مثل بعض أخواتها من السلع للغش التجارى.
- وبعد اعتراف السيد الوزير أيضاً بأن مجموعات التقوية التى تقدمها الوزارة غير فعالة، وتعديل اسمها إلى مجموعات الدعم، والتي ستقدم خدمة تعليمية بجودة عالية جداً- حسب كلام السيد الوزير- يكون الوزير قد وضع بهذا الاعتراف آخر حجر فى قبر إصلاح المنظومة التعليمية داخل المدارس لصالح التعليم الموازى أو تعليم الظل أو الدروس الخصوصية كما نسميها نحن.
- وبعد خطة التقنين هذه.. من يحمى الفقير الذى لن يتحمل دفع ثمن الخدمة عالية الجودة خارج أسوار المدرسة، هل يضمن لنا سيادة الوزير عدم ضعف إنتاجية المدرس وعدم اهتمامه داخل الفصل الدراسى لصالح هذه المراكز؟، وهل لدى سيادة الوزير ضمانة بألا يحتفظ المعلم بعلمه ويدخر قدرته البدنية والعلمية للمراكز خارج أسوار المدرسة؟.. وكلنا يعلم أن راتب المدرس فى حصة واحدة داخل تلك المراكز سيعادل راتب شهر– أو أكثر– داخل المدرسة.. «والرزق يحب الخفية»!!
- ثم أى دلائل هذه التى يمكن أن تشير إلى منع الشركات والمراكز– التى سوف تقوم بعملية الاتجار فى التعليم بشكل رسمي– من رفع أسعار الدروس الخصوصية، ما دامت ستخضع للضرائب، وكما تعلمون فالتاجر عندنا لا يخسر أبداً، وسوف يتحمل الطالب الضريبة كاملة.. «ولو مش عاجبك.. إشترى من بره»!!.. وسيفتح بيع التعليم بالتذكرة ملفاً آخر جديداً وغريباً من نوعه، وهو الاتجار ببيع التعليم فى السوق السوداء، وعالم ضرب الفواتير، وحيل التهرب الضريبى للمراكز صاحبة رخصة التعليم الموازى، أو التى لن تستطيع الحصول على هذه الرخصة، وسيكون الضحية كالعادة أولياء الأمور.. وستتفاقم المشكلة أكثر فأكثر... والأخطر والأهم أن بيع التعليم بالتذكرة، ومبدأ من يدفع أكثر يحصل على تعليم أفضل، سيعمق الفجوة ويرسخ مبدأ التفاوت بين طبقات المجتمع فى ملف هو الأبعد– أو يجب أن يكون– عن ذلك.
- الأصعب أننا منذ مرحلة انتشار ظاهرة التعليم الموازى مع سياسة الانفتاح فى السبعينيات، مروراً بمرحلة التجريم وصولاً إلى مرحلة التقنين، ونحن نبحث عن الأسباب والنتائج والحلول للقضاء على هذه الظاهرة، لنصل فى النهاية إلى اللاشىء، ثم نتعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً وشراً لابد منه، ثم نبدأ ونعود لنملأ الدنيا شكوى وصراخاً من عبئها، ثم ننتظر أن يأتى يوم القضاء عليها، لنصل بعدها إلى اللاشىء.. وهكذا.
- وبمناسبة اللا شىء، روى أنه تنازع شخصان وذهبا إلى جحا، الذى كان قاضياً، فقال المدعى: لقد كان هذا الرجل يحمل حملاً ثقيلاً فوقع من فوق عاتقه، وطلب منى أن أعاونه فسألته عما يدفعه لى من أجر على ذلك، فقال لى «لا شىء» فرضيت بها وعاونته فى حمله، وأنا الآن أريد أن يدفع لى الـ«لا شىء»، فقال جحا دعواك صحيحة يا بنى اقترب، وارفع هذا الكتاب وخذ ما تحته، فرفع المدعى الكتاب فقال له جحا ماذا وجدت تحته؟ قال: لا شىء، فقال له جحا خذها وانصرف.
- فى النهاية يبدو أننا قد فشلنا فى محاولة القضاء على فيروس التعليم الموازى، وفقدنا الأمل فى وجود تطعيم لأبنائنا ضده، فقرر السيد الوزير أن يقنن أوضاعه، حتى ينتشر تحت أعين الوزارة بشكل رسمى، وكل ما أخشاه بعد مرحلة التقنين تلك، أن ندخل مرحلة «شخلل عشان تتعلم»!!.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض