هناك ما يشبه الهوس بما يسمى «التريند»، ويوما بعد يوم يتزايد عدد المتزاحمين على حصد الأرقام القياسية من المتابعة و«التشيير» واللايكات وخلافة. موضوعات التريندات لا هى جديدة، ولا هى مفيدة أو مفجرة لطاقات ايجابية عظيمة بالمجتمع، وتسبح كلها فى بحر الإثارة والضرب على وتر الوعى الغائب، المؤدى بالتبعية لترسيخ ثقافة القطيع، وبالبلدى «الزفة الكدابة»، التى تزيح من طريقها أى قضايا جادة من المفترض أن ينشغل الناس بها.
خطورة لعبة التريندات، هو تحولها لظاهرة شبه يومية، حيث يستيقظ سكان كوكب الفيس بوك الفضائى، وقبل أن يغسلوا وجوههم يبحثون بلهفة عن «تريند النهاردة إيه ولمين».. الحكاية ربما تبدو للبعض مضحكة، أو شيئا قريبا من الهواية والتسلية والفرفشة الفيسبوكية. الأمر ليس كذلك على الإطلاق، وهوس الملايين بالتعلق بالتريندات والجرى وراء هذه الوطاويط الطائرة، هو تدمير لما تبقى من خلايا الوعى الحية داخل المصريين.. أتصور أننا إن لم نكن نمارس فعل الانتحار الحضارى والانسانى بإرادتنا، فنحن على الأقل نساعد غيرنا على أن يسبقونا بمئات السنين الضوئية، لأننا تخلفنا عنهم بآلاف السنين المضيئة والمعتمة. مراكز البحوث فى إسرائيل لا تتوقف عن دراسة سلوك المصريين وبشكل يومى، ترصد ماذا نغنى، وماذا نكتب، وماذا نقرأ، وماذا نلبس ونأكل ونشرب ونتعلم ونشاهد. إسرائيل تفعل هذا من قبل أن تصبح اسرائيل الدولة التى صنعت من خليط من الأكاذيب والأوهام والأساطير التاريخية.. المهم أنهم يعلمون تماما أن تقدمهم وبقاءهم مرهون بتراجعنا وضعفنا الوجودى، وبقاء قوتهم فى استمرار ضعفنا.
هوس التريندات يشارك به ناس عاديون، وآخرون من مشاهير مسارح الدين والسياسة والفن والرياضة والاعلام، خليط مشيطن مندفع ومنفلت، وللحقيقة والأمانة معظم أهل الكوكب الفيسبوكى قد هجروا عالم الواقع إلى عالمهم الافتراضى، لأنهم لم يجدوا ما يغريهم من جيرانهم على الأرض. لم يجدوا ما يصدقونه ويؤمنون به من كيانات أرض الواقع ومن مؤسسات الثقافة والاعلام على كوكب أرض الواقع.. ناس وجدت نفسها فى حالة عراء ثقافى، وانعدام شبه تمام لأبسط مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، فنصبوا خيامهم بصحراء الواقع الافتراضى الذى منحهم مطلق الحرية فى أن يعبروا عن ذواتهم حتى، هم النجوم وهم الجمهور وهم لجنة التحكيم، وهو الخيل والخيال والقاتل والمقتول والأمير والصعلوك.
العالم يتغير بسرعه رهيبة، والعلم يقول كلمته بقوة فى عواصمه ومسارحه المشرفة. الأكاديمية السويدية تمنح قبل ايام جائزة نوبل فى «علم وظائف الأعضاء أو الطب»، إلى السويدى «سفانتى بابو»، لأبحاثه فى مجال التطور البشرى لأنه حقق المهمة التى كانت تبدو مستحيلة، المتمثلة فى فك الشفرة الجينية لأحد أقاربنا البشريين المنقرضين، إنسان نياندرتال أو الإنسان البدائى، يعنى العالم السويدى عرفنا حقيقة إنسان ما قبل الانسان. كل ذلك يحدث هناك، أما عندنا فسباق التريندات مستمر، وخطيب برتبة وزير يعلمنا كيف نخرج الجن من أجسادنا، وجائزة نوبل الفيسبوكية لمن يضحكنا على أنفسنا أكثر. إسرائيل، وبتعبير أدق جهاز الموساد الاسرائيلى من أواخر خمسينيات القرن الماضى -يعنى من ستين سنة تقريبا- نصح قادة اسرائيل بإنشاء جامعة تل أبيب الإسلامية -وأنشأت- وتدرس الكثير من مناهجها باللغة العربية، مع التركيز على دراسات مستفيضة للهجات الفلسطينية.. ومن المدهش والغريب أن خط اهتمام اسرائيل بمعرفتنا والعلم بنا ثقافيا وتاريخيا أخذ فى التصاعد خلال الخمسين عاما الماضية بشكل مذهل، وهى نفس الفترة تقريبا التى قمنا فيها نحن نيابة عن أشد أعدائنا عداوة لنا بتمزيق هويتنا، واحتقار الوعى بالتاريخ، والتنازل عن أدنى قدر من الندية لصالح عقيدة أن 99% من أوراق اللعبة بيد السيدة أمريكا! لو استمر غياب الوعى، والروح وغياب دور الدولة فى تبنى خطط تنوير وبعث حقيقية، فإننا سنختصر طرقا كثيرة للوصول لمجهول، للأسف هو معلوم بالضرورة.