طلة
ظاهرة غريبة انتشرت فى جميع ربوع جمهورية مصر العربية مؤخراً، صور الأطباء الشخصية تملأ الميادين والشوارع الرئيسية تتصدر بانرات ولوحات مضيئة معلنة عن عناوين عيادات الأطباء وتخصصاتهم المختلفة. مفهوم جداً أن يعلن أى طبيب عن عنوانه وتخصصه لكن الغريب هنا هى صور الأطباء أنفسهم التى تبدو من خلال الأضواء والألوان التى تصاحب الإعلانات كما لو كانت صور نجوم سينما فى أفيشات الدعاية أفلامهم الجديدة. أفهم أن يكون علم الطبيب وتوفيقه هو مصدر الدعاية له وعبادته ولكن لا أجد سبباً منطقياً واحداً يجعل كل هؤلاء الأطباء يظنون أن صورهم الشخصية هى التى ستجذب الناس لعياداتهم، وإلا تكون الدعاية هنا لأى شىء آخر غير الطب, فلا أعتقد مثلاً أن هناك من ينصح غيره بالذهاب للدكتور الفلانى لأن شكله حلو ولطيف!
منطقى جداً أن يعلن أطباء الأسنان مثلاً عن عياداتهم بوضع صور أناس من أصحاب الأسنان البيضاء النظيفة اللامعة كنوع من الدعاية، ولكن ماذا يستفيد مريض الأسنان من رؤية صورة الطبيب نفسه وماذا يستفيد هذا المريض لو كان هذا الطبيب أجمل من نجوم السينما لكنه بليد فى عمله فقير فى علمه؟! هل وسامة طبيب الأسنان ستكون ضمانة لمرضى الأسنان, كذلك ليس مستغرباً أن يضع أطباء العيون صور عيون جميلة لجذب الزبائن لعياداتهم، ولكن ماذا يهمنى كمريض من شكل طبيب العيون. ولماذا يحرص أطباء النساء والتوليد على وضع صورهم الشخصية التى تبرز قوامهم كاملاً وليس وجوههم كذلك؟ هل شرطاً أن يكون الطبيب وسيماً طويلاً عريض المنكبين ناعم الشعر ممشوق القوام؟هل هذه هى صفات طبيب النساء والتوليد الناجح فى عمله, وهل هذا يعنى أنه لو كان قصيراً وصاحب كرش يتدلى أمامه سيكون طبيباً فاشلاً لا يعرف عن الطب شيئاً؟
طبعاً أنا لا أصادر حرية كل إنسان الشخصية فى الإعلان عن نفسه وعن منتجه بالصورة التى يراها مناسبة. ولكننى فقط أبحث عن تفسير منطقى لهذه الظاهرة التى ربما يكون فائدتها الوحيدة التى أراها حتى الآن هى تحقيق الرواج لشركات الدعاية والإعلان التى تتولى تصميم الإعلان وكذلك للمحليات أو للحكومة التى تتولى تحصيل رسوماً كبيرة مقابل وضع تلك الإعلانات على أرصفتها وعلى جانبى كل شارع باعتبار الحكومة مالكة الشوارع والأرصفة. ولا أعتقد مثلاً أن مريضة ما تختار طبيباً فقط لأنه يبدو من صورته أنه حلو وجميل إلا لو كانت تبحث عن عريس يتزوجها، وليس عن طبيب يداويها, حيث إنها فى هذه الحالة تعرف علتها جيداً وتعرف الدواء جيداً، فتذهب لكى تأتى به ليس أكثر.
الغريب كذلك هو الانتشار السريع لهذه الظاهرة التى لا توجد فقط فى القاهرة، بل موجودة بكثرة فى الإسكندرية أيضاً، بل فى غالبية محافظات الصعيد إن لم يكن كلها. ويبدو طبعاً من إقبال الأطباء الشديد على طريقة الدعاية هذه, قد أثمر عند من قاموا باتباعها مما شجع الآخرين على اتباع نفس النهج, وهكذا امتلأت مصر كلها بصور الأطباء فى كل التخصصات. طبعاً الصور كلها تظهر الطبيب من هؤلاء فى أبهى صورة ممكنة تكشف رواجاً موازياً لصالونات الحلاقة والتجميل, وكذلك للمصورين المحترفين الذين يلتقطون تلك الصور للأطباء.
يقينى أنه لو اهتم الأطباء فى مصر بالاطلاع الدائم على الدوريات التى تنشر كل ما هو جديد فى عالم الطب لكان أفضل لهم ولمرضاهم، ولكان أفضل دعاية لهم لجذب الزبائن لعياداتهم من هذا الاهتمام المرضى بصورهم وشكلهم وكأنهم يدعون المرضى للفرجة عليهم مقابل ثمن الكشف وطبعاً ما يترتب على هذه الفرجة من إعجاب. وعلم الطبيب فقط هو الذى سيجعل أحدنا يقول للآخر: اذهب للطبيب الفلانى لأنه شاطر وليس لأن شكله حلو!
Hisham.moubarak,[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض