لم أعتد يوماً أن أكتب عن مشاعر خاصة فى مساحة خصصت للنفع العام، ولكن عزائى الوحيد– ورجائى أن تقبلوه– أنه خاص يراد به عام، سأكتب عن جانب تم حبسه دون قصد، وجلده دون وعى، حتى صار – خطأً- وكأنه الأصل الثابت فى علاقة الابن بأبيه، ولا تسألنى عن سبب الكتابة الآن بعد مرور ست سنوات على رحيل أبى، فلا أملك إجابة عن هذا السؤال.
- بشجاعة وإخلاص شديدين قال الإعلامى الكبير محمود سعد منذ شهر تقريباً، إنه لا يحمل مشاعر حب لوالده ولكنه يحترمه، عبَّر الرجل فى لحظات صادقة عاشها لأكثر من ستين عاماً، كاشفاً عن سنوات من الألم الصامت لم تفارقه، سنوات لم يدع الأب فيها لابنه سبباً لحبه، سنوات تنخر بداخل الابن وتنهش قلبه، وتعكر صفو حياته، تلك الحالة لم يروِها الإعلامى الكبير محمود سعد للانتقام من والده، أو ليطفئ بها ناراً أكلت فيه لسنوات وشربت، بل لتكون عظة لكل أب يظن يوماً أن ما يفعله تجاه أبنائه سيمر مرور الكرام، عظة تخبر كل الآباء بأنهم سوف يجنون ثمار أفعالهم حتماً لا محالة... فهل نتعلم من الدرس؟
- وعلى العكس من مشاعر أستاذنا الكبير محمود سعد، أنتمى إلى الغالب الأعظم من الناس، فأنا أحب أبى، أحبه فى قوته ولحظات ضعفه، أحبه مبتسماً وضاحكاً، أحبه فى غضبه وسكونه، أحب رضاه قانعاً ممتنعاً عن النظر لما متع الله به غيره، إلا أننى لم أقل له إننى أحبه ظناً أن الأفعال وحدها تكفى، وتلك هى المشكلة والأزمة والحالة، لم تخرج منى تلك الكلمات التى تعبِّر عن حبى له، وهو يعلم علم اليقين كم أحبه، لم أعتد أن أقول تلك الكلمات صريحة وواضحة دون لف أو دوران، معتقداً أن هذه الكلمات ضعف، وأن حبس تلك الكلمات وسجنها قوة، وهذا خطأ نشأت عليه مثل كثيرين.
- ذات يوم رأيت والدى، رحمه الله، غاضباً، وكان عمرى لم يتجاوز الثانية عشرة، لم أفهم حينها معنى الهموم التى يتحملها، ولم أعرف معنى لضغوط الحياة، وما يمكن أن تفعله فى رب أسرة كل ما يشغله توفير حياة كريمة لأسرته، لم يرق لى هذا الغضب، ولم أكن واعياً لدوافعه وأسبابه، فوقفت محتجاً معترضاً طريق هذا الغضب، فوجدت كف أبى الكريم قد التصقت بوجهى الصغير، لتجرنى قدماى إلى الخلف بفعل قوانين الطبيعة، وسط صمت استمر لساعات طويلة، لم أبارح فيها غرفتى متصنعاً النوم، لم أبكِ ولم تزرف عيناي– عن طريق الخطأ– دمعة واحدة، بعدها شعرت بخطوات تحوم حولى، كان يعلم– رحمه الله– أننى لم أنم، وبصوت هادئ اعتذر لى وانصرف، لأجدنى فى نوبة بكاء، بكيت وقتها لأننى كنت سبباً فى اعتذار أبى.
- كانت أكثر اللحظات التى أشعر فيها بحب والدى، تلك اللحظات التى كنت فيها ضيفاً فى غرفة العمليات، ومشرط الطبيب ينتظر غفلتى ليبدأ عمله، ومرت الأيام وتبدلت الأدوار، وأصبح والدى ضيفاً على المستشفى، لم أدرك أن الوقت قد آن، لأقول له بصوت هامس ومسموع وصارخ إننى أحبه، لم أدرك أن الأيام تمر بلا رحمة، وأن الأفعال وحدها لا تكفى للتعبير عن حب الابن لأبيه والعكس.
- رحل أبى، وترك لى نظرة وداع صامتة، أخرجت كل الكلمات المسجونة، وأفرجت عنها، وأطلقت سراحها، ولكن بعد فوات الأوان.
- فى النهاية.. مهما كان مقدار حبك لمن تحب، ويقينه بأنك تحبه، قل له إنك تحبه، لا تحبس المشاعر، ولا تسجن الكلمات، ولا تكتفِ بالأفعال والأعمال، اخرج من دائرة صمت المحبين، فما يمر لا يعود أبداً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض