نحو المستقبل
إن الغاية من الحياة الانسانية دوما هى السعادة، فكل البشر فى حياتهم إنما يسعون إلى تحقيق أكبر قدر من السعادة، لكن معظمهم للأسف يخطئون فى فهم معنى السعادة وطرقها!!
ولذلك سعى الفلاسفة عبر تاريخ الفلسفة إلى بيان مفهوم السعادة وكيف للناس التماس طريقها الحقيقى. وكان أرسطو أشهر من حرص على ذلك فى كتابه الشهير «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، ونيقوماخوس هذا هوابنه، وقد فضل أن يهدى اليه ما كتب عن الأخلاق ظنا منه أن الشباب هم من يسيئون الاستماع إلى الكلام فى الأخلاق والفضيلة!!
وقد بدأ حديثه مميزا بين الغايات والوسائل، وبالطبع فإن الغاية أفضل من الوسيلة، والغاية تكون أفضل إذا ما كانت غاية فى ذاتها وألا تتحول يوماً إلى وسيلة لغاية أبعد. فإذا سألت مريضاً مثلاً: لماذا تجمع المال! لقال لك إن غايته هى العلاج من المرض الذى ألم به. وإذا ما سألته وما غايتك من العلاج؟ لكانت الإجابة هي: الصحة، وإذا ما سألناه وما الغاية من الصحة، لكانت الإجابة ممارسة الحياة بشكل يحقق اللذة والمتعة وإذا ما تساءلنا مرة أخرى. وما الغاية من هذه اللذة وممارستها لكانت غاية الغايات التى لا يمكن اعتبارها وسيلة لغاية أبعد هي: السعادة!
إن أى فعل إنسانى إذن له غاية، وكل غاية تتحقق تنقلب فى لحظة ما إلى وسيلة لتحقيق غاية أبعد حتى ننتهى من سلسلة الغايات والوسائل إلى غاية الغايات التى يسعى الإنسان إلى تحقيقها فى حياته والتى تمثل الخير الأقصى له وهي: السعادة!
وهنا سيبدو الخلاف بين الناس واضحاً؛ فعامة الناس عادة ما يرون أن السعادة هى حياة اللذة أو حياة الجاه والسلطان أو حياة الثروة والمال. فمن يرى أن الفضيلة المحققة للسعادة هى اللذة أو الجاه ناقشناه فيما يتصور، حيث إن اللذة إذا كان مقصودا بها كما هو شائع اللذة الحسية كشفنا له أنها لذة وقتية ويعقبها الألم فضلاً عن أنها لا تحقق ماهية الإنسان ووظيفته الأسمى. أما من يرى أنها فى الجاه أوضحنا له أنه وضع سعادته فى يد غيره، إذ أنها هنا لدى مانح الجاه أكثر مما هى لدى ممنوحه. ثم أن الجاه هو من الفضيلة يعد فى منزلة الجزاء أو المكافأة أى أنه الجزاء الذى يصيب من اختار حياة الفضيلة؛ وبالتالى فحياة الفضيلة متقدمة على هذا الجزاء أو تلك المكافأة!
وقد بحث أرسطو عن الصورة الحقيقية للسعادة الموافقة للفضيلة والموافقتان معًا للطبيعة الإنسانية واكتشف أن خير الإنسان ككل هو عبارة عن كمال نفسه الناطقة بأدائه وظيفته الخاصة على أكمل وجه، فإذا كان ما يميز الإنسان وخاصة المميزة هى أنه ذلك الكائن العاقل – المفكر فإن معنى ذلك أن فضيلته تبدو حين يمارس هذه الوظيفة وكلما اقترب من الكمال فى أداء هذه الوظيفة كلما ارتقى فى سلم الفضائل حتى يحقق أسماها وأعلاها طوال حياته وليس لفترة قصيرة منها. إن الفضيلة الإنسانية إذن بوجه عام والتى تحقق سعادته هى فعل من أفعال النفس العاقلة وليست فعلاً من أفعال الشهوة أو اللذة. وهنا يبدو المقصود الأولى للفضيلة عند أرسطو، حيث وجب أن يتحكم القسم العاقل فى القسم غير العاقل حتى تبدو أول صور الفضيلة عند الإنسان لأن «الجزء غير الناطق فى النفس لا يوصف بأنه (فاضل) أو محمود إلا من حيث صلاحيته للخضوع للجزء الناطق فيها، أو من حيث خضوعه بالفعل له».
إن للقسم العاقل عند الإنسان مهمة مزدوجة حيث يميز فيه أرسطو بين الجزء ذى العقل على الخصوص وبذاته، وبين الجزء الذى يستمع للعقل كما يستمع لصوت الأب الرحيم، وعلى أساس هذا التمييز يميز بين نوعين من الفضيلة، فضائل عقلية فكرية وفضائل أخلاقية؛ أما الفضائل الأخلاقية فهى الفضائل العملية التى عرفها بنظرية الوسط الشهيرة حيث الفضيلة وسط بين طرفين كلاهما رذيلة ؛ كالكرم الذى هو وسط بين الإسراف والبخل والشجاعة التى هى وسط بين التهور والجبن.. الخ. وتلك هى الفضائل التى تصح بها حياة المجتمع الانسانى ويمارسها الانسان وسط الناس وبين أفراد مجتمعه، أما الفضائل العقلية فهى ما عرفت لديه بفضيلة التأمل النظرى التى هى فضيلة العقل بما هو كذلك والتى بممارستها فى رأى أرسطو تتحقق ماهية الانسان ؛ فبالتأمل يعرف الانسان حقيقة الوجود من حوله وبها أيضا يدرك ضرورة وجود الإله ويتشبه به ؛ ذلك لأن الإله عند أرسطو عقل يتأمل ذاته ونحن نتشبه به حينما نمارس فضيلة التأمل النظرى، تلك الفضيلة التى تكسبنا الحرية والاستقلال عن الناس والمجتمع ذلك، لأن المرء لا يحتاج لممارستها إلا إلى عقله الواعى، فهنيئا لمن عاش حياته ممارسا لنوعى الفضيلة لأنه فى واقع الحال يكون قد أدرك وعاش حياة السعادة الكاملة.