حذر الدكتور حمدى حسن أبوالعينين، أحد أبرز وأهم أساتذة الإعلام فى مصر، بحكم كفاءته الأكاديمية، وثقافتة المعرفية الواسعة -فى تدوينة له قبل أيام- من «أنه إذا ظلت مناهج كليات الإعلام وتخصصاتها على ما هى عليه منذ خمسين عاما فإنه لا مبرر مشجعا للدراسة بها، لأن سوق العمل يكاد يخلو تماما من أى فرص لخريجى هذه المناهج وتلك التخصصات القائمة». ما تفضل به الدكتور حمدى حسن جزء من الواقع المزرى للدراسات الإعلامية بمصر التى لم يتغير بها شىء منذ نشأة كلية الإعلام جامعة القاهرة مطلع سبعينيات القرن الماضى. الغريب فى الأمر أن مجالات الإعلام من أكثر المجالات التى تطورت وتغيرت فى الخمسين سنة الأخيرة مع كثير من المستجدات التى غيرت حياة العالم، وبالأخص الانترنت والفضائيات التليفزيونية والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعى، والصحافة الاليكترونية وتقنيات البث المبهرة. كل ذلك حدث واستطاعت دول كثيرة أن تواكبه بتطور منتجها الإعلامى وموقفها من مفاهيم الاعلام الجديد ككل. أعتقد أننا فى مصر لم نتمكن من ذلك -لا على المستوى الأكاديمى بتطور الدراسات الإعلامية بما يتماشى مع ما حدث، ولا على مستوى المنتج اللاعلامى المقروء والمسموع والمرئى.
مع بدايات كلية الإعلام جامعة القاهرة، كان الكثير من أعضاء هيئة التدريس من الممارسين إلى جانب الأكاديميين الذين كانوا فى ذلك الوقت نتاج نظام -أو حالة تعليمية- أفرزت نخبة كبيرة من العلماء والمفكرين والفنانين الكبار وأيضا الإعلاميين الكبار. الذى حدث أنه مع بداية تهميش الثقافة والفنون الرفيعة بنهاية السبعينيات على أكثر تقدير، انعكس ذلك على الدراسات الإعلامية التى أصبحت أقرب للترفيه منها للتعليم، وابتعدت هذه الدراسات عن طابعها الأكاديمى البحثى، لتتحول تدريجيا إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية. من يريد أن يتأكد من مصداقية هذا الطرح عليه فقط أن يطلع على كم الرسائل العلمية التى منحت فى الإعلام ما بين درجات ماجستير ودكتوراه خلال نصف قرن مضى، وأعتقد جازمًا أن الكثير منها -وربما الأكثر- لا يصلح أن يتقدم به طالب كمشروع لتخرجه فى كلية الإعلام. أطال الله فى عمر الأستاذة الدكتورة عواطف عبدالرحمن التى شرفت بالجلوس أمامها طالبا يوما ما، ومعرفتى بها لا تتعدى علاقة تلميذ بأستاذه، أعتقد لو سئلت عن العبث الذى طال عمليات منح رسائل الماجستير والدكتوراه فى الإعلام سيكون لديها الكثير مما يجب الاستماع إليه.
ليت الأمر توقف عند فوضى منح الرسائل العلمية فى الاعلام، ولكن الكارثة كانت كما أشار الدكتور حمدى حسن ظلت فى جمود الدراسات الإعلامية لمدة خمسين عاما، جرى فيها ما جرى من مياه فى النهر، وظلت الدراسات الإعلامية لا تتعدى مفاهيم تقليدية قديمة تجاوزتها ثورة اتصالات هى الأكبر والأقوى والأكثر تأثيرا على البشرية منذ خلقت. انعكس الواقع المميت هذا على خريجى كليات الإعلام التى انتقلت من كلية واحدة مطلع سبعينيات القرن الماضى (كلية الإعلام جامعة القاهرة) إلى 13 كلية وخمسة معاهد عليا فى القاهرة والجيزة وحدهما، بالإضافة إلى حوالى 30 كلية وقسما ومعهدا خاصا بمحافظات مصر. هذه الفوضى فى انشاء كليات ومعاهد للإعلام دون أدنى ارتباط بتخطيط قومى حقيقى وضع الحالة الواقع الإعلامى فى «حلة فشار»، فرقعة بلا أثر..!
السؤال الآن: هل مصر التى يتجاوز تعدادها 110 ملايين نسمة ليست بحاجة إلى هذا العدد من كليات الإعلام؟ قولا واحدا إن مصر ليست بحاجة إلى الكثير من محتوى وتخصصات السوق الإعلامى الذى تصدره الكثير من عوام المثقفين سواء على الصعيد الأكاديمى أو العملى. مصر بحاجة إلى تخصصات وبرامج أكاديمية ودراسات بينية كثيرة تفتقر اليها كليات الاعلام القائمة، وحان الوقت أن نرحم أجيالنا الشابة، ونشرح لهم أن الاعلام ليس فقط المذيع والصحفى والفستان وربطة العنق -مجالات الإعلام موجودة فى كل المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والرياضية والدينية- الإعلام كعلم شديد الارتباط بالسينما والمسرح والموسيقى والغناء والطفولة والحريات وحقوق الانسان والتاريخ والجغرافيا والأدب والفن التشكيلى والهوية الوطنية واللغة الأم التى لا تدرسها بعض الكثرة من كليات الاعلام، وإن درستها فذرا للرماد بالعيون.