إذا ساقتك الأقدار أن تقرأ هذا المقال، فعليك أولًا التخلى -ولو مؤقتًا- عن سياسة الإنكار وحالة الرفض المسبق لقبول الحقائق والمعلومات لمجرد التكيف أو التعايش مع الواقع مهما كان مؤلمًا، فهذه السياسة وهذا الرفض المسبق، قد تصلح منذ عقدين من الزمان، ونحن نتحدث أو نسمع عن تأثير مخاطر التغيرات المناخية، أما وإن باتت هذه التعديلات المناخية المتطرفة واقعًا نلمسه، وأصبحت انعكاسًا نراه يومياً، فالتفكير العقلانى هنا يجب يكون واجبًا حتميًا وفرضًا على الجميع، لمعرفة حقيقة الحال أولًا ثم معرفة كيفية النجاة منه ثانيًا، فالتغيرات المناخية تصاحبها عادة مخالب مجاعات وأوبئة ثم اضطرابات لا أحد يعرف عقباها، إنها مخالب من جهنم، لا ينجو منها إلا من رحم ربى، ولنبدأ...
- فى 2003 صدر عن وزارة الدفاع الأمريكية تقرير بعنوان «سيناريو تبدل مناخى مفاجئ ومعانيه الضمنية إلى الأمن القومى الأمريكى»، وارتكز التقرير على دراسة التأرجحات المناخية الكبيرة التى حدثت منذ 8200 عام تقريباً.
وأشار التقرير إلى سيناريوهات اجتماعية مخيفة جداً، ستحدث إذا تكرر ما حدث قبل 8200 عام، فالتقرير يصف حروبًا ومجاعات، وانهيارًا سكانيًا وبشريًا، وحربًا أهلية، واندفاع أعداد كبيرة من اللاجئين إلى شواطئ أوروبا، وأزمة خطيرة تتعلق بالغذاء والماء فى آسيا، وستكون الفوضى والنزاعات سمات حياتية دائمة، فى حين تكون الولايات المتحدة أفضل نسبيًا وذات قدرة أكبر على التكيف، فهل يمكن حدوث ذلك؟ لا أحد يمكنه الجزم، هذا التقرير ذكره «لورانس سميث» فى كتابه «العالم 2050».
- وبعد ظهور حجارة الجوع فى أوروبا مؤخراً بسبب الجفاف، نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرًا عن تأثير هذا الجفاف، الذى توقع خبراء الأرصاد أنه قد يكون الأسوأ فى القارة العجوز منذ أكثر من 500 عام، وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الجفاف قد يؤدى إلى عواقب وخيمة على الصناعة والشحن والطاقة وإنتاج الغذاء، تمامًا مثل نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بسبب غزو روسيا لأوكرانيا، فالعديد من السفن التى تحمل الفحم لمحطات الطاقة والمواد الخام الحيوية تعمل بحوالى 25٪ من طاقتها، ما يرفع تكاليف الشحن إلى خمسة أضعاف، كما تعمل تلك الأنهار على تبريد المحطات النووية التى تنتج الكهرباء، وانخفاض منسوب المياه وارتفاع درجة حرارة تلك الأنهار سيؤثر حتمًا على إنتاج الكهرباء، فى بلاد تعانى من أزمة فى الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
- وتشهد الآن باكستان ونحن نقرأ هذه السطور موجة عنيفة من الفيضانات، وصفت بأنها واحدة من أسوأ الكوارث فى البلاد، ولنعرف حجم الكارثة والتغير المناخى السريع والمتطرف، فقد ضربت سلسلة من الفيضانات باكستان عام 2010، شردت حوالى 20 مليون شخص، ووصفها البعض -وقتها أيضاً- بأنها أسوأ كارثة فى تاريخ باكستان بل والأخطر منذ 80 عامًا فى المنطقة.. تخيل هذا التقارب الزمنى فى حدوث موجات عنيفة من الفيضانات فى بلد يمتلك أسلحة نووية!
- فى 2003 ضربت أوروبا موجات حر غير مسبوقة أودت بحياة 70 ألف شخص، والجميع قد رأى أو سمع عن حرائق الغابات الكثيرة، بسبب موجات الحر فى السنوات القليلة الماضية، هذه أمثلة حديثة، وإليك نماذج من التاريخ:
- بدأت المجاعة الكبرى فى أوروبا بسبب الطقس السيئ بين عامى 1315 و1317، وتسببت فى وفاة الملايين، وأحدثت تلك المجاعة خرابًا عظيماً، ولنقدر حجم هذه الكارثة، فقد أمرت حكومة مدينة يبريس -وهى مدينة تقع فى شمال غرب بلجيكا- بدفن 2794 جثة من بداية مايو حتى منتصف أكتوبر 1316، وكان عدد سكان المدينة وقتها لا يزيد على 20 ألف نسمة، وبعد ذلك بثلاث سنوات انتشر الطاعون أو الموت الأسود، الذى أباد ثلث سكان أوروبا.
- فى عام 1815 حدث ثوران هائل لبركان «تامبورا» فى إندونيسيا تسبب فى هلاك المحاصيل الزراعية، كذلك أثار موجة الأمطار الغزيرة التى هطلت فى الصين فى القرن الرابع عشر سلسلة من الأحداث التى أدت إلى ظهور مرض الطاعون الأسود.
- كل هذه الأحداث كما يقول «آل جور» فى كتابه «المستقبل ستة محركات للتغيير العالمى»: كانت حوادث متطرفة نادرة، ولكنها تندرج ضمن الحدود الطبيعية للاختلافات مع نفس نمط المناخ الشامل الذى عرفناه على الدوام، بعكس الاضطرابات المناخية الأكبر من ذلك بكثير التى نتسبب فيها نحن، وتهدد بخلق حالة طوارئ على كوكب الأرض.
- وبدون إذًا أو أى محاولات شاقة للاستنتاج، نجد أن مع نتائج التغير المناخى، تتزايد الأمراض والآفات التى تصيب المحاصيل الغذائية، وبالتالى ارتفاع التكاليف وانخفاض المحاصيل، ثم تفشى وانتشار الأوبئة والأمراض، خاصة فى الأماكن الأكثر فقراً.. والأمثلة كثيرة إذا أردت المزيد.
- ننتقل إلى الفاعل الأساسى فى هذه اللعبة الخطرة -التغير المناخى- وهى الشركات العالمية العملاقة الأكثر تلوثًا للبيئة، تلك الشركات التى لا يشغلها إلا الربح والربح فقط، وتسيطر فى أحيان كثيرة -إن لم يكن غالباً- على قرارات دول لصالحها، تلك الشركات كما يقول «آل جور» تروج دائمًا لفكرة أنه لا يجب أن نشغل أنفسنا بهذه التغيرات، فيمكننا التكيف معها، ما دام الجنس البشرى استطاع أن يتكيف مع كل الأوضاع البيئية على هذا الكوكب من قبل.
- تلك الشركات التى تمتلك وتسيطر على الكثير والكثير من وسائل الإعلام التى تروج لأجندتها، قد فضحتها وثيقة مسربة فى 1991، حيث قرر ائتلاف مجموعة كبار الشركات الملوثة بالكربون، أن يكون الهدف الاستراتيجى له هو تغيير مفهوم الاحترار العالمى، وتصويره على أنه «نظرية وليس حقيقة»، وهكذا يريدون تضليل الناس بترويج فكرة أن البيئة يمكن أن تعتنى بنفسها، مهما كانت كمية الملوثات التى نلقيها فيها!
- تلك الشركات العابرة والغابرة للقارات، يقوم منطقها على:
إن الضائقة أمر جيد للفقراء؛ لأنها الشىء الوحيد الذى يعطيهم حافزًا ليصبحوا أكثر إنتاجية، وتجعلهم أيضًا أكثر استعدادًا لقبول الحد الأدنى للأجور، ومن الناحية الأخرى ينبغى أن يفرض على الأغنياء أقل قدر من الضرائب، لتشجيعهم على كسب مزيد من الأموال.
- تلك الشركات أو الدول- وهى المسئول الأول عن هذه الكارثة- لن تتحمل مسئولية العواقب المدمرة فى البلدان الفقيرة، من تدمير بنية تحتية بسبب الفيضانات، ولن تتحمل عبء ارتفاع أسعار السلع ونقص المحاصيل وانتشار المجاعات والأوبئة، ولن تدفع بطبيعة الحال فاتورة الفوضى والخراب فى تلك البلدان.
- فى النهاية، هذا التطرف المناخى، لن يفلت منه «نبلاء هذا العصر» سواء كانوا أفرادًا أو هيئات أو شركات أو دولًا، وهم أيضًا واهمون إذ ظنوا أن النجاة ستكون فى بناء المخابئ وتأمين احتياجاتهم من الطعام، فالجوع وحده دافع لهدم تلك المخابئ والجحور.. ليتنا نتعلم ونعرف أننا جميعًا أصبحنا فى مركب واحد، وتحت مخالب واحدة من الجحيم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض