طلة
سمعت عن الخنافس لأول مرة فى حياتى عندما كنت طفلاً فى أواخر الستينيات. كانت فرقة البيتلز البريطانية فى أوج شهرتها وحسب الترجمة العربية لكلمة البيتلز, فقد اشتهرت هذه الفرقة عربيا باسم الخنافس. كان أعضاء الفرقة يتنافسون فى الظهور بكل ما هو غريب فى الملابس وتطويل الشعر حتى يلتبس عليك أمرهم هل هم رجال ام نساء. ثم أصبح كل ما يقترفه أعضاء فرقة البيتلز موضة جديدة تسرى بين الشباب سريان النار فى الهشيم. لذا انتشرت وقتها موضة الشعر الطويل, تطويل السوالف وارتداء القمصان الفضفاضة غريبة الألوان والبنطلونات الشارلستون, تبدأ ضيقة عند الوسط وتتسع تدريجيا حتى يبلغ اتساعها مداه عند الكعبين. ولعل أشهر من طبق موضة الخنافس بالشعر الطويل والسوالف الطويلة وقتها نجوم الكرة وعلى رأسهم الخطيب وزيزو ومصطفى عبده وفاروق جعفر وحسن شحاته.
المهم أننا لسبب او لآخر كنا فى الصعيد نعتبر أن كلمة خنفس كلمة عيب, بمعنى أننا إذا قلنا عن شاب إنه خنفس فهذا معناه أنه ناقص الرجولة, يأتى بفعل من أفعال النساء, بالذات الشعر الطويل. ولهذا السبب كان والدى رحمه الله يصطحبنى للحلاق كل يوم جمعة تقريبا, حتى أصبحت الحلاقة طقساً من طقوس اليوم مثلها مثل الاستحمام, والصلاة طبعًا. ذلك حتى لا يدع لى فرصة ولو لحظة واحدة أفكر فيها أن أكون خنفسا. لذا اعتدت أن يكون شعرى قصيرا جدا. لكن كل ذلك لم يجعلني أبدا أربط بين كلمة خنفس وبين حشرة الخنفساء, وهى حشرة مقززة جدا كنت وما زلت أكرهها خاصة أن التراث الصعيدى يحمل عنها معلومة غريبة حيث نطلق عليها: خادمة العقرب, بمعنى أنها لو ظهرت فى مكان ما فعلى أصحاب هذا المكان الانتباه فقد يكون مقدمها إعلاناً صريحاً عن قدوم العقرب بعدها, فهى مثل التشريفة التى تسبق موكب الشخصيات المهمة لمنحها مزيداً من الأهمية وكذلك لتأمينها ضد أى مكروه.
مؤخرا تواترت الأنباء عن وجود مادة مستخرجة من حشرة «الخنفساء» تدخل فى بعض العصائر المصرية. كانت النتيجة أن ليبيا مثلا رفضت دخول شحنة من هذا النوع من العصير, ونشرت الصحف الليبية الخبر الذى أثار ضجة عالمية. العصير الذى قيل بأن أحد مكوناته الأساسية مأخوذة من الخنافس، عصير شهير يشربه كثير من الناس. تابعت ما نشر وقيل عن هذه القضية التى كشفت عن أنه ليست العصائر فقط بل كثير من المأكولات أيضا يدخل فيها عناصر من الخنافس, وهو ما جعلنى أفكر ما إذا كان هذا هو أحد أهم أسباب عودة ظاهرة الخنافس من جديد. لا أقصد طبعا فرقة البيتلز ولا فرقة الخنافس التابعة لتنظيم الدولة وأعضائها ممن ترعرعوا غرب لندن وعذبوا وقتلوا عدة رهائن فى سوريا والعراق. لكنى أعنى بعودة الخنافس تلك الظاهرة التى انتشرت بين شباب هذه الأيام من تطويل الشعر حتى إن العديد من الشباب يقوم بتشكيل شعره الطويل فى نفس فورم شعر النساء. فهذا يسرح شعره على هيئة ذيل حصان وذاك يعقصه على هيئة كحكة وكلاهما يستخدم عادى البنس والتوك اللازمة لهذه الأنواع من التسريحات، ناهيك عن السلاسل والانسيالات والغوايش. الطريف أن هؤلاء الشباب وحتى لا يظن أحد أنهم نساء تجد اغلبهم ربط تطويل شعر رأسه بتطويل شعر لحيته. وكأنه بهذه اللحية يجيب عن سؤال لم يوجهه له أحد مباشرة مؤكدا: أنا رجل ولست ست!.
السؤال الآن إذا كان البنات أنفسهن وسواء تديناً أو هرباً من تكاليف الاهتمام بالشعر أو حتى موضة ارتدين الحجاب, فهل يأتى على الخنافس حين من الدهر نراهم فيه وقد ارتدوا أيضاً الحجاب؟! والسؤال الأهم أين آباء هؤلاء الشباب أم أنهم ينطبق عليهم المثل الشعبى «خنفسة شافت ولادها ع الحيط قالت ده لولى ملضوم فى خيط»؟.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض