ضوء فى آخر النفق
نحن الآن فى العام ١٤٤٤الهجرى. رأس السنة الهجرية الجديدة احتفل به المسلمون الجمعة ٢٩ يوليو الماضى. هنأ الناس بعضهم البعض بجملة مكررة أوتوماتيكية مُعَّلبة: كل عام وأنتم بخير! الحقيقة أننا لسنا بخير. بعد كل هذه السنوات الـ١٤٤٤ التى مرت على ظهور الإسلام، بكل عنفوان أحداثها من غزوات وفتوحات ومعارك وانتصارات وهزائم، وعلوم وعلماء وأفكار وكتب ورواة أحاديث، قوية وضعيفة.. ورغم التطور الهائل الذى حققه المسلمون، الذين انتقلوا من العيش فى صحراء جرداء إلى قصور وناطحات سحاب وأبراج.. لكن يقينًا لسنا بخير. على الأقل فكريًا.. ومعاملاتيًا.. أكاد أقول إننا نهنئ بعضنا بعضًا من باب المجاملة.. أو تمنى أن نكون بخير! وكيف نكون كذلك وأغلب ما نعيشه لا صدق فيه وليس حقيقياً؟! الدين الإسلامى دين عظيم.. وحتى سبعينيات القرن الماضى كان أغلب ما يتعلق بالتدين طبيعى وكافياً للناس..مشكلات طائفية نادرة.. نزور المسيحيين ونهنئهم فى الأعياد ونتناول طعامهم الشهى فى هذه المناسبة (عرفت البشاميل لأول مرة فى حياتى فى بيت مسيحى بمدينة بركة السبع وأنا فى سنة سادسة ابتدائي) كنا معًا إلى أن داهمتنا السبعينات بكوارثها، فتغيرت الدنيا، واحتلتنا الوهابية وأفسدت حياتنا، بل وحياة غالبية المسلمين، وباغتنا مرشد إخوانى قائلًا بكل تطرف وقسوة: المسيحيون فى إطار الحكم بالشريعة عليهم أن «يدفعوا الجزية وهم صاغرون»! المد الوهابى قاد ابن لادن لمجاهدة الشيوعية فى أفغانستان. وبدعم السادات أدت الحرب على السوفيت إلى انهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط أفغانستان فى أيدى الطالبانيين والقاعديين (أسامة بن لادن والظواهري) فتتحول إلى إمارة ظلامية، فى نفس الوقت الذى أضحت فيه الكلمة العليا فى الدين لجماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الوهابية، ومنها انتقل الفكر الوهابى إلى مصر، فظهر النقاب والعباءة السوداء والشبشب والجلباب القصير، وصادف ذلك هوى فى نفوس السلف والإخوان فسقط العالم الإسلام بقاعدتيه الكبيرتين مصر والسعودية فى أتون التطرف الفكري. فى هذا الخضم بزغت فتاوى القتل على الفكر، فاغتيل الشيخ الذهبى، ثم فرج فودة، ومحاولة قتل نجيب محفوظ وهكذا، ما زال الحبل على الجرار، إذ سحل المواطن الشيعى حسن شحاتة فى الشارع، واعتدى متطرفون على سيدة الكرم..وحتى نهايات عهد مبارك أحرق المتطرفون الكاتدرائية، ثم بعد ثورة يناير أضرموا النار فى كنائس.. وقبل أشهر فجعنا بنبأ اغتيال الأنبا أرسانيوس على كورنيش الإسكندرية!
لسنا بخير..فمع توالى الأحداث والسجالات الدينية التى تأخذ طابعًا حادًا وساخرًا وجدليًا بين من يعتقدون أنهم أنصار الدين فى مواجهة اللادينيين والعلمانيين إلخ.. وعلى وقع الفتاوى الغريبة مثل «إرضاع الكبير»، و«احمى نفسك واخرجى قفة» وغير ذلك، نصل اليوم إلى حد قيام مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامى وهى إحدى أذرع تنظيم القاعده بتوجيه تهديد صريح بالقتل للزميل إبراهيم عيسى، حيث نشرت صورته موجهاً إلى قلبه رصاصة وذلك بسبب تقديمه حلقه من برنامج «مختلف عليه» بعنوان (خالد بن الوليد سفاح أم قائد)؟
لا يضير خالد بن الوليد أن يكون محل نقاش بعد البعثة بألف وأربعمائة سنة، وهذا كلام يؤخذ منه ويرد عليه، أما إهدار دم إبراهيم عيسى من تنظيم القاعدة فيعنى حقيقة أننا لسنا بخير.