رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

ذكرنى فيلم «كيره والجن» بقبح الخيانات الوطنية، مثلما بعث لنا قصص الفداء المنسية. يقول لنا بدر السياب فى حيرة «إنى لأعجب كيف يُمكن أن يخون الخائنون. أيخون إنسانٌ بلاده؟ إن خان معنى أن يكون، فكيف يُمكن أن يكون؟»

لقد كانت تحولات الشخوص فى التاريخ المصرى الحديث محل شغف دائم لدى، فكنت كثيرا ما أسأل نفسى عما يقلب الثائر إلى طاغية، والبطل إلى خائن، والعكس.

ونموذج نجيب الهلباوى الذى أعاد الفيلم بعثه هو نموذج حقيقى لشخصية خائن استثنائى فى تاريخ مصر، وقف على الضفة ذاتها لرجال المقاومة، قبل أن ينقلب إلى خنجر فى ظهر الثوار، ليُفشى أسرارهم ويسلّمهم إلى حبل المشنقة.

رُبما حاول السيناريست أحمد مراد، والمخرج مروان حامد فى الفيلم تقديم دوافع قوية لتحول محمد نجيب الهلباوى من فدائى إلى نذل حيث تعرض للضغط الشديد، عندما قام مستر هارفى رجل الشرطة السرية البريطانية بتعذيبه، وقال له إن حكما بالشنق فى انتظاره، وإن السبيل الوحيد لنجاته هو أن يشى بزملائه.

غير أن التحول فى شخصية نجيب الهلباوى الحقيقية كان أبسط كثيرا، فكما ذكر أستاذنا الراحل جمال بدوى، فإن الرجل دخل السجن سنة 1915 بتهمة القاء قنبلة على موكب السلطان حسين، ولما أفرج عنه سعد زغلول عندما أصبح رئيسا للوزراء سنة 1924 فى إطار عفوه عن كافة السجناء السياسيين، ذهب بنفسه إلى المخابرات البريطانية ليعرض عليهم العمل كجاسوس لصالح الاحتلال.

يتحدث اللورد لويد فى مذكراته عن خدمات مستر «إتش» والذى لم يسمه، وإنما رمز إليه بذلك إشارة إلى اسم هلباوى، وقال إنه طلب مكافأة عشرة آلاف جنيه، وراتبا شهريا أربعين جنيها مقابل الإيقاع بالجهاز السرى لثورة 1919.

وفى مذكرات عريان يوسف أحد رجال الجهاز السرى للثورة حديث عن الهلباوى الذى كان يزور شفيق منصور المحامى، وهو المتهم الأول فى قضية اغتيال السردار البريطانى، وفيه يشير إلى أن الهلباوى كان متحمسا للغاية ضد الإنجليز، ومحرضا عليهم. ولم يكن أحد يتصور أن ذلك المحرض هو الجاسوس الذى يسعى لتوريطهم، حتى إنه رسم لقتلة السردار خطة الهروب إلى ليبيا وأعطاهم ملابس تنكرية، وتذاكر القطار، ثم فوجئوا بإيقاف القطار والقبض عليهم جميعا.

لكن ما الدافع لهذه الخيانات؟ فى الفيلم يقول نجيب الهلباوى لعبد القادر الجن فى آخر الفيلم مبررا فعلته «أنا كبرت»، وهو معنى يشى بأنه لم ينل شيئا مما طمح فيه عند انخراطه فى المقاومة 1915.

والتفصيل الأكبر لهذا المعنى نجده عندما نشر مصطفى أمين سنة 1963 سلسلة تحقيقاته عن الجهاز السرى لثورة 1919، حيث فوجئ بالهلباوى نفسه يبعث له رسالة طويلة يبرر فيها خيانته. وكان مما قاله إنه كان يتصور أن تفتح له الأبواب فور الافراج عنه ويتم تعيينه فى وظيفة تليق بثائر ومناضل، فإذا بالنقراشى يخبره مداعبا أن سعد زغلول لا يطيق اسمه، لأنه يذكره بإبراهيم الهلباوى المحامى، ثم يعرض عليه وظيفة مدرس فى بنى سويف بخمسة عشر جنيها شهريا. وهكذا حنق الهلباوى أن يرى النقراشى وأحمد ماهر وغيرهما من رجال الثورة السريين فى وظائف مرموقة، بينما هو فى آخر الصف. وفى حقيقة الأمر، فقد كان «الهلباوي» حاصلا على شهادة ابتدائية فقط، لكنه رأى نفسه فى ذات المكانة التى كان فيها النقراشى وأحمد ماهر، وربما أعلى، وآمن أن نضاله ضد الإنجليز يستحق مكافأة كبيرة.

وهكذا انقلب «الهلباوى» خائنا، وهذا درس بليغ للثورات والتغيرات السياسية فى بلادنا، لأن البعض ينتظر الأجر والثواب على عمله الوطنى، رغم أن حب الوطن الحقيقى لا ثواب له، فهو فى حد ذاته ثواب عظيم.

والله أعلم.

 

 

[email protected]