خارج السطر
أؤمن أن يد الله تتحرك فى الخفاء. تُنصف، تُصحح، تمحو ظلما، وترُد اعتبارا ولو بعد حين. شاهدت قبل ساعات فيلم «كيره والجن»، وأيقنت أن الله ينتصر للمنسيين العظماء، الذين قدموا حيواتهم فداء للوطن، وأن الانتصار قد يأتى تدرجا عبر كتابة ما، قصيدة، موال، أو فيلم سينمائى.
فى غربة باردة موحشة فى سنة 1935، وإلى جوار السور العتيق باسطنبول، وجدت جثة شاب مصرى، قصير القامة، أسمر، مطعونا بسكين حادة اسمه أحمد عبدالحى كيره، ودفن بمقابر الصدقة هناك. وتابع الحكاية يحيى حقى الذى كان دبلوماسيا فى تركيا، وكتب فصلا فى كتابه «ناس فى الظل» عن «كيره» الذى رآه هناك وعرف حكايته إذ كان هاربا من المخابرات البريطانية بعد أن حارب الإنجليز خلال ثورة 1919 المسلحة، وأذاقهم الويلات حتى رصدت مكافآت مجزية للقبض عليه، لكنه هرب من مصر بعد وشاية نجيب الهلباوى بأفراد التنظيم السرى للثورة. وكتب «حقي» عنه «رأيت فيه المثل الفذ للرجل الشريد، ملابسه تدل على الفاقة، وغلبت صفرته التحتانية على سمرته، يمشى على عجل وبحذر كأنه يحاول أن يفلت من جاسوس يتتبعه،عيناه كالنار تطوف نظرتها فى الآفاق. حاولت أن أعرف أين يسكن لأرسل له خطابا، فلم أنجح وقيل لى إنه يسكن بمفرده فى ثلاث شقق كل منها فى حى بعيد عن الآخر وإنه يتخذ كل سنة اسما مختلفا ولا ينام فى فراش ليلتين متتابعتين.»
ثم كتبت حكايات متنوعة عن الرجل فى أكثر من كتاب منها مذكرات عريان سعد يوسف، وسيد باشا عضوى الجهاز السرى للثورة، وعرفنا أكثر وأكثر عن الرجل من خلال الكتاب الممنوع لمصطفى أمين والصادر فى الثمانينيات.
واختار الروائى والسيناريست البديع أحمد مراد، حكايات بعض أبطال الجهاز السرى للثورة ومنهم كيره، ليُعيد إحياءهم بروايته الفذة «1919» ثم قام فيما بعد بتحويل الرواية إلى فيلم سينمائى بعنوان «كيره والجن» من إخراج مروان حامد، وبطولة كريم عبد العزيز وأحمد عز ليُقدم لنا جوانب من سير كيره، وعبدالقادر شحاتة «الجن» ودولت فهمى، والهلباوى، ببعض التحويرات التى اقتضها الدراما فى عمل يمثل علامة فارقة فى تاريخ السينما المعاصرة.
فما فعله صناع الفيلم هو بمثابة استفاقة حقيقية للسينما المصرية. هو بصمة جمال، ودليل إتقان، وبرهان قدرة على صناعة مستوى عالمى من الابداع، لم نشهده من قبل فى فيلم عربى تقنيا وأدائيا وحواريا.
كيف نقلنا العمل بعد مئة عام إلى أيام الثورة العظيمة وكأنها حية أمامنا عندما كان العدو معلوما ومتمثلا فى المحتل؟ كيف عايشنا حياة المصريين اليومية وكيف رأيناهم وهم يتكاتفون فى محبة كلمة غالية هى «مصر»؟
تلك هى المقدرة الأعظم لمبدعين حقيقيين بدءا من المخرج الموهوب مروان حامد، والسيناريست الساحر مراد، وصاحب الموسيقى الملهمة هشام نزيه، ومصممة الأزياء ناهد نصر الله، وكل مَن شارك فى هذا العمل المبهر.
لقد نجح الفيلم فى تحقيق ثلاثة مكاسب عظيمة:
1ـ إنه أثبت أن السينما المصرية لم تمت، وإن لدينا كوادر فنية مبهرة قادرة على رجرجة العالم العربى والتأثير فى الناس، وتثويرها إبداعيا وحضاريا.
2ـ إنه أحيى ذكرى فدائيين عظماء، كنا نظن أنهم تواروا إلى سراديب النسيان، فى ظل المد الدينى الذى طمس كثيرا من لحظات التاريخ العظيمة، بازدرائه الكفاح الوطنى تفعيلا لفكرة جماعة الإخوان الكريهة بـ«أن الوطن قطعة من التراب العفن.»
3ـ ذكّرنا جميعا أن الوفد هو تاريخ مصر الحقيقى، ومعه يمكن لأجيال قادمة أن تنهض وتقوم وتعبر نحو المستقبل، وأن قيم المواطنة والاستقلال والتضحية فى سبيل الوطن ولدت ونمت فى ظلال شخوص عظماء غيروا التاريخ مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس، وكل مّن ضحى لهذا الوطن. فلهم منا ألف سلام وسلام.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض