نحو المستقبل
فى اعتقادى، إن العداء التقليدى للفلسفة فى بلادى يرجع إلى كلام شائع، مفاده أن الامام أبو حامد الغزالى قد كفر القلاسفة، واعتبر أن الفلسفة كفر وإلحاد!! والحقيقة هى أن الغزالى برىء من هاتين التهمتين، فلا هو حرم الفلسفة ولا هو كفر الفلاسفة، إن الغزالى فى كتابه الموسوم بـ«تهافت الفلاسفة»، كما هو واضح من عنوانه لا يهاجم الفلسفة أصلا، حيث عدد فيه عشرات المسائل الفلسفية، واعتبر البحث فيها مفيدا ومُهما، بينما توقف عند ثلاث مسائل فقط، اختلف فيها مع الفلاسفة السابقين عليه، وخاصة الفاارابى وابن سينا، وأخذ عليهم تأثرهم فيها بفلاسفة اليونان فى ثنايا تأويلهم العقلى لبعض آيات القرآن الكريم، وهى ميلهم إلى القول بقدم العالم، وعلم الله بالكليات دون الجزئيات، وأن البعث للنفوس دون الأجساد. وبالطبع فهذا الاختلاف فى الرأى حول هذه المسائل وغيرها لا يخرج هؤلاء الفلاسفة من دائرة الايمان بالاسلام دينا وبالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، كما أن هذا الميل الذى يتحدث عنه الغزالى لم يكن قاطعا لدى هؤلاء الفلاسفة تجاه هذه المسائل.
وبعيدا عن هذه الاختلافات فى الرؤى لدى المتكلمين والفلاسفة الذى اعتبره الغزالى نفسه من «المضنون به على غير أهله» ونصح عامة الناس بالتالى بالابتعاد عن الخوض فيه فى «إلجام العوام عن علم الكلام»، فإن الغزالى فى رحلته الفكرية الطويلة كان من أشد المناصرين للعقل وللعقلانية، فهو القائل فى اطار نظريته للمعرفة معضدا البدء بالشك العقلى «من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى فى العمى والضلال»، وهو القائل فى اطار رؤيته لأساس الشريعة الاسلامية «إن العقل أس الشرع، ولن يغني أس ما لم يكن بناء»، ومع أن رحلته الفكرية قد انتهت به إلى الركون إلى تفضيل الحياة الصوفية إلا أن مذهبه الصوفى كان مذهبا معتدلا التزم فيه بأسس الشريعة الاسلامية من القرآن والسنة، وقد انتقد متفلسفة الصوفية، كالبسطامى والحلاج، مطالبا اياهم بتمرير شطحاتهم الصوفية على عقولهم، فإن صدقها العقل كانت موافقة للشرع وإن لم يستسغها العقل كان لا ينبغى أن تقال، لأنها لن تكون أبدا موافقة للشرع!!
وحتى فى «احياء علوم الدين» كتب الغزالى فصلا بعنوان «فهم القرآن وتفسيره بالرأى من غير نقل» أقر فيه بوضوح امكان الاختلاف حول تفسير بعض الآيات، ودلل على ذلك بما كان يحدث أيام الرسول الكريم وفى عصر الصحابة، موضحا أن الرسول نفسه قد دعا لابن عباس رضى الله عنه بأن يفقهه الله فى الدين ويعلمه التأويل!!
إن الفلسفة أيها السادة ليست كفرا وإلحادا ولا هى دعوة إلى ذلك بحال، بل هى العلم الذى نتدرب من خلاله وعبر ممارسة مهاراته العقلية كالشك والتحليل والحوار والنقد على إعمال العقل وإبداء الرأى مصحوبا بالدليل والحجة، وذلك هو مادعاه الغزالى هنا بالتأويل.
إن اختلاف الآراء ضرورة انسانية، لأن للعقل الفردى بصمته المختلفة كما بصمات الأصابع، فليتفلسف الجميع وليختلفوا فى الرأى كما شاءوا! فقط لا ينبعى لهذا الاختلاف أن يصبح أداة للخلاف والصراع، بل ينبغى أن يكون مدعاة للحوار الايجابى الخلاق المبدع .. تفلسفوا أثابكم الله فأنتم مأمورون من الله بإعمال عقولكم والتفكر فيما حولكم بلا حدود.