نحو المستقبل
يتساءل الكثيرون من الناس فى بلادنا ولا يتوقفون عن السؤال رغم مرور عشرات القرون على دخولنا رحاب الفلسفة والتفلسف ورغم أن تراثنا الفكرى يزخر بالكثير من أعلام الفلسفة الكبار كالكندى والفارابى وابن سينا والغزالى وابن رشد وابن خلدون وغيرهم كثيرون: لِـمَ الفلسفة؟ وهل للفلاسفة دور فى حياتنا ونحن نعيش عصر العلم؟!
والحقيقة أن إجابة التساؤل الأول تكمن فى السؤال نفسه!.. ذلك أن العقل الإنسانى قد فُطر على التساؤل، والتساؤل ومحاولة الإجابة عنه هو الفلسفة ذاتها؛ ومن هذه التساؤلات التى لم ولن يتوقف البشر عنها: ما حقيقة الوجود ككل، وما حقيقة وجود الإنسان، وما حقيقة هذا العالم الطبيعى بكل ما فيه من أشياء وكائنات، وما علة هذا الوجود والموجودات وما مصيرها؟! ماذا تعنى الحرية وكيف أمارسها وهل تصح حياة الإنسان الفرد بدون شعوره بإمكانية أن يفعل أو يقول أى شىء بحرية؟!. ما شكل المجتمع الإنسانى السوى وكيف تتحقق العدالة والمساواة بين البشر فى أى مجتمع سياسى؟! إلى آخر هذه التساؤلات الحائرة والمعلقة.
وعلى الرغم مما قامت به الأديان من خلال كتبها المقدسة من تقديم إجابات واضحة عن هذه التساؤلات وغيرها، إلا أنه ما زالت لدى الإنسان بقية منها حول حقيقة نفسه وطبيعة المشكلات التى يواجهها وتتجدد بتجدد الزمان والظروف. أن الدور المنوط بفلاسفة كل عصر أنهم يعبرون عن هذه التساؤلات ويكشفون من خلالها عن مواطن الضعف والقصور فى آراء وتوجهات معاصريهم والمشكلات المترتبة عليها ويحاولون إيجاد السبل لحلها حتى تصبح حياة الإنسان فى هذا العصر أو ذاك أكثر اقترابا من الكمال المنشود حسب ظروف كل عصر.
ويخطئ من يظن أن دور الفلسفة قد تضاءل فى عصر العلم لأنه ببساطة لا علم بلا فلسفة؛ فالتقدم العلمى مرهون بوجود علماء يملكون عقليات فلسفية قادرة على تقديم الفروض العقلية الخلاقة لحل المشكلات الناتجة عن التطورات العلمية بصورتها التراكمية التقليدية وقد اعترف الكثير من العلماء بفضل الفلسفة والفلاسفة عليهم مثل ألبرت أينشتين (أعظم علماء القرن العشرين) الذى قال إن أستاذه هو فيثاغورث (وهو فيلسوف يونانى عاش فى القرن السادس قبل الميلاد) الذى تعلم عنه أن الفهم الصحيح للطبيعة لا يكون إلا عبر عالم العدد وعلوم الرياضيات. وعلى كل حال فلقد أصبحت لدينا الآن فروع جديدة للفلسفة تتواكب بل تقود وتوجه التطورات العلمية المعاصرة مثل: فلسفة البيئة، فلسفة السياسة، فلسفة القانون، فلسفة الأخلاق الطبية والبيولوجية وأخلاقيات البحث العلمى، فلسفة الحضارة وحوار الحضارات، فلسفة الذكاء الاصطناعى، فلسفة المستقبل، منطق المعرفة العلمية والتفكير الناقد.. الخ.
إن الفلاسفة فى عصرنا كما كانوا فى العصور السابقة يمثلون طليعة النخبة المبدعة القادرة على بلورة ثقافة العصر الذى يعيشونه وإدراك صورتها العامة، مع كشف طبيعة التطور الذى تتجه إليه البشرية فيما بعد. والحقيقة التى أود أن أختم بها هى أن سر أسرار تخلفنا فى عالمنا العربى هو غياب دور الفلسفة والفلاسفة فى حياتنا رغم أننا أحوج ما نكون إلى إعمال العقل فى كل نواحيها وإلى الاستماع إلى الرأى الفلسفى فى كل هذه المجالات، كما أن معظم مشكلاتنا كمجتمع وكأفراد إنما نحتاج فيه إلى الاستشارة الفلسفية أكثر من أى شىء آخر أو على الأقل إلى جانبه! فهل نطمح إلى إعادة النظر فى تجاهل دور الفلسفة والفلاسفة فى حياتنا؟!