رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

زمان كنا فى الصعيد نردد مثلا شعبيا معناه أنه لا يأتى من الغرب شيء يسر القلب. الغرب فى الصعيد كان وربما لا يزال يعنى كل ما هو أجنبى عنا، حتى لو كان قادما من الوجه البحري, وليس فقط الغرب الجغرافى الذى يعنى بلاد بره. لكن وحتى نكون منصفين هناك بعض السلوكيات الحميدة التى أخذناها عن الغرب وطبقناها فى مجتمعاتنا فى طريقة تناول الطعام مثلا, خاصة فى الأفراح والحفلات الكبرى. اقصد بذلك طريقة الأوبن بوفيه, وهو يعنى ببساطة أن يتم وضع جميع أصناف الطعام وكل ما هو موجود فى المكان مرصوصة فى أوانٍ ضخمة، وعلى ترابيزات تم ترتيبها بعناية بحيث يدخل المعازيم فى طابور منظم وفى يد كل منهم طبق يغرف منه ما يحتاجه بحيث يعود مرة اخرى للطابور لو لم يشبع من الملء الأول للأطباق.

ورغم أننا طبقنا فى بلادنا نظام الأوبن بوفيه, إلا أن التطبيق عندنا لم يشمل ثقافة هذا النظام وفلسفته, فالأصل فيه أنه يتيح للإنسان فرصة لأخذ ما يكفيه فقط من طعام وشراب, لا أن يقوم بتعبئة عدة أطباق بأكوام كثيرة, يترك أغلبها على الطبق بعد ان يشبع. اوبن بوفيه المفروض يكون تدريبا على ضبط النفس قليلا وعدم الانسياق وراء شهوة العين التى ترى أمامها كل ما لذ وطاب، فتعتقد أنها قادرة على التهامه كله فيسارع كل منا لملء الطبق حتى لتظن أنه يحمل بين يديه هرما وليس طبقا به طعام, وتكون النتيجة منظرا سيئا يسد النفس والروح والعقل.

الأسوأ من ذلك أن ثقافة الاوبن بوفيه انتقلت عندنا فى مصر من الطعام إلى كل ما يتنافس عليه الناس، بل ويتقاتلون أحيانا من أجله من مناصب ومكاسب مادية ومعنوية وغيرها. فترى الواحد من هؤلاء حريصا على أن يجمع فى جعبته العديد من المناصب وكأنه سوبر مان لديه قدرة خارقة على انجاز المسئوليات الواقعة على عاتق كل منصب, فهو رئيس المكان والعضو المنتدب والمدير التنفيذى، وهو هو نفس الشخص صاحب كل المناصب كذلك فى أماكن اخرى, فهو رئيس مثلا فى مكانه وأمين عام الاتحاد الذى يضم الهيئة التى يرأسها مع هيئات أخرى، وهو السكرتير العام للاتحاد الإقليمى الذى يضم تلك الهيئة، وهو وكيل النقابة التى تضم العاملين فى تلك المهنة، وهو أمين شعبة العاملين... وهكذا دواليك, يجمع ما يشاء من مناصب حيث كل منصب يساعده بنفوذه واتصالاته فى الحصول على المنصب الآخر, ويا ويل من تسول له نفسه منافسته فى أى منصب من تلك المناصب.

أعرف كثيرا من المسئولين ممن أدمنوا ثقافة الاوبن بوفيه، فى جمع ما لذ وطاب من المناصب التى يستفيد منها هو فقط وأسرته وأقاربه المقربين ماديا ومعنويا وبريستيجيا، حيث غالبا ما يتحول لنجم كلما فتحت التليفزيون وجدت ذلك الشخص الجامع لكل المناصب فى يده فى ظل قوانين لا تعد تلك جريمة, حيث بعض المناصب التى يستحوذ عليها شخص واحد تجعله خصما وحكما فى وقت واحد, فلو أردت أن تشكوه مثلا كرئيس عمل وقدمت شكواك للنقابة التى من المفروض أنها تنظم العمل تجده ربما هو الشخص الذى من المفروض أن يحقق فى شكواك وينصفك لو كنت مظلوما!!

فى اوبن بوفيه الطعام يمكن أن يشبعك صنف واحد لو كنت قانعا, وفى اوبن بوفيه المناصب ربما يذكرك التاريخ لو توليت منصبا واحدا وأجدت فيه، اما شهوة المناصب فربما تجنى منها ثروة مادية هائلة, أما التاريخ فلن يذكرك سوى فى المكان الذى يتم فيه إلقاء ما يتبقى من بقايا الاوبن بوفيه!

[email protected]