خارج السطر
فى الطريق إلى الله لا وساطات، لا وكلاء، لا متحدثين رسميين أوغير رسميين، لا نقاط تفتيش. على بابه لا حُجاب مسئولين عن الإذن لأحد بالمثول أو القرب، ومنع غيرهم وطردهم. فالأبواب منفتحة دائما وأبدا، فـ«منا إليه» كما يقول العُباد الزهاد، و«كُلٌ آتيه يوم القيامة فردا»، كما تُعلمنا الآية الكريمة.
ورغم ذلك، فثمة سماسرة متطفلون يفرضون وصايتهم على البشر، ويُنصِّبون أنفسهم متحدثين باسم الله. يخدعون البسطاء بلقب «الشيخ» ويتاجرون بالدين سعيا للربح، وطلبا للشهرة. يدّعون كذبا وبهتانا أنهم يعرفون الحق، ويمتلكون اليقين. وفى كل مناسبة وفى كل حدث، يطلّون على الناس بوجوه كالحة محذرين، مُهددين، مُحرمين، ومُقررين مَن يدخل الجنة ومَن يدخل النار.
أحد هؤلاء هو الشيخ عبد الله راسبوتين، (وراسبوتين هذا راهب دين فى روسيا نصّب نفسه متحدثا باسم الله وهيمن على عقول البشر). ولقد دأبت مؤخرا على متابعة عبد الله راسبوتين، استقراءً لحجم ما أصاب العقل المصرى من عطب، وسعيا للتبسم من تشنجاته وتعبيراته الذكورية المتطرفة، فشر البلية ما يُضحك.
ولا أدرى ما دفعنى أن أراجع حسابات الرجل فى لحظة حُزن شعبى عارم على واقعة استشهاد الصحفية شيرين أبوعاقلة. فربما لسذاجة تنتابنى أحيانًا، ولحسن ظن مبالغ فيه يعترينى فى أحيان أخرى، تصورت أن عبد الله راسبوتين، الذى يُحدثنا عن الله والدين والآخرة، يمتلك الحد الأدنى من الفهم والوعى والعقل. وظننت لوهلة أنه يمكن أن يتجاوز عن غوغائيته المُنفرة عند التعليق على استشهاد ابنة فلسطين. لكن نافخ الكير أبى أن يغادر انحطاطه، فكتب على حساباته، التى يتابعها الملايين إنه «لا يجوز الترحم على شيرين أبوعاقلة لأنها ماتت على غير ملة الإسلام.» ثم قال فى زهوٍ كريهٍ «بشاعة الجريمة لا تنسينا الثوابت العقدية».
تخيلوا الرجل المريض فى إنسانيته، المضطرب فى عقله، والمهتز فى شخصيته كيف يُمكن أن يصنع فى أمتنا أقسى وأبشع مما تفعله إسرائيل!
هذا الرجل الذى يُسمى نفسه مؤدب العلمانيين والليبراليين، والذى لا يُفارق «تويتر» و»يوتيوب» لممارسة الوصاية على القلوب واحتكار التفتيش فى الضمائر، والتحريض على الآخرين يُسيء لنفسه ولبلده ولدينه ولا يوجد من يوقف هذيانه.
كم نفّر الناس من المشايخ وهو يلوم النساء اللآتى يتعرضن للتحرش لأنهن لا يحتشمن بما يكفي؟ كم كسر مرآة السماحة المفترضة وهو يقتطع من نصوص الابداع ما يُحرض به مهاوييس التطرف على قتل الكُتاب والمبدعين؟ وكم التحف بأردية البداوة القبلية وهولا يرى فى المرأة عموما سوى وسيلة لاستمتاع الرجل وإرضائه؟
يجهل عبد الله راسبوتين أن العالم أرحب وأكبر وأكثر تنوعًا مما يظن ويحسب، وأن الله أرحم وأكرم وأرأف بخلقه مما يتصور، وأن التدين الحقيقى هو محبة الناس ونفعهم وهو ألا نؤذى، وألا نسب، وألا نكره، وألا نُحرض، وألا نحقد، وألا نُسيء الظن بالله والآخرين.
إن مثله ممن يقول عنهم مفكرنا الجميل طه حسين بأنه «رجلٌ رضى بجهله ورضى عنه جهله».
فالجهل النشط يمخر فى بحار الأمم الراكدة بسرعة. يتسع، ينتشر، وينتفخ، ويعلو، ولذا فربما يزيد متابعى عبد الله راسبوتين وعارفيه ومصفقيه عن قراء نجيب محفوظ ومتابعى فاروق الباز والعالمين بمجدى يعقوب.
لكن مَن قال إن الإنسان الفائز هو مَن ينال التصفيق من القطيع. فثمة حساب آخر اسمه حساب الإنسان والقيم والحضارة، والتاريخ خير شاهد.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض