نستكمل حديثنا اليوم مع محمد قطب وكتابه «هل نحن مسلمون؟!»، فأكثر ما يلفت الانتباه فى الصفحات الأولى من الكتاب هو اللغة والعبارات غير العدائية، بل كانت اللغة تعبر عن المظلومية التامة، فيكتب قطب بروح المسلم الغيور على دينه، ومن ثم يبدأ فى التحسر على الإسلام، ويأخذ القارئ إلى منطقة تأنيب الضمير، بل ضم عنوان الكتاب نفسه سؤالًا بنكهة التأنيب، فيتساءل محمد قطب فى طيات الكتاب عن موقف الفرد المسلم فى محاربة الطاغوت وانحراف المجتمع، ومن ثم يشحذ الهمم لتغيير الحال والانقلاب على المدنية، فينتقل لنبرة أعلى، لكن دون التخلى عن خطاب المظلومية والتضحية، ماذا تساوى كلّ التضحيات والآلام التى تحملها أجيال من المسلمين ليعقدوا الجسر فوق الهوة الحالية بين الـكفر الملحد والإسلام، لا شيء تضحيات مضمونة فى السماء والأرض، ولينصرن الله من ينصره، إن الله قوى عزيز»، ويتضح هذا التدرج الذى بدأ به محمد قطب كتاب «هل نحن مسلمون؟!»، حيث بدأ بخطاب المظلومية، وانتهى بخطاب غزو العالم الملحد الكافر.
رغم أن الكتاب كان يداعب المشاعر الدينية بهدوء فى كثير من فقراته، إلّا أنه ما لبث أن تبنى فى فقرات أخرى خطابًا داعشيًا، والداعشية لم تكن قد تبلورت كتنظيم آنذاك، لكنها كانت موجودة كفكرة، إذ يحمل مفهوم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حين يقول محمد قطب إن «التشريع الجنائى له نصوص محدودة واضحة، تلتزم الجماعة المسلمة بتنفيذها، فى حد القتل والزنا والسرقة والخمر والردة والإفساد فى الأرض، ولقد أكد محمد قطب أن المسلم والمسلمة، اللذين ينسلخان من دينهما، يجب (سحقهما) لتنهض الأمة وتخطو إلى الأمام، والملاحظ هنا أن محمد قطب استخدم لفظ (الجماعة المسلمة) وليس الإسلامية، لأنه كان يعول على إقامة مجتمع مسلم يطالب بتطبيق الحدود، أيًا كانت الظروف.
أراد محمد قطب من خلال عباراته المنتقاة، أن يوعز بأن السحق ليس تجبرًا، إنما إقامة للعدل، فلربما كان محمد قطب أكثر دهاءً فى كتاباته من غيره من جماعة الإخوان الإرهابية، لكن هذا لم يكن لكونه مسالمًا، وإنما مدرك أن سحق المعارضين يحتاج إلى قوة وسلطة هو لا يملكها، ولا جماعته فى ذلك الوقت، وتتأكد رؤيته فى كتاب لاحق، نشر تحت عنوان «هلمّ نخرج من ظلمات التيه»، وجاء فى فصله الأخير، الذى حمل عنوان «الغد المأمول»، أنّه «لا يجوز تعجل الصدام مع السلطة، وطلب الحكم فى فترة الاستضعاف، وأن التركيز فى لحظات الاستضعاف والشتات لا بد من أن ينصب على قضية «لا إله إلا الله»، لأن الجماهير هى نواة الحاكمية الإلهية».
فلسفة محمد قطب لم ترحل معه، بل قد تكون أفكاره ورؤيته ملموسة على الأرض فى هذه الآونة، إذ يميل كثير من الباحثين والكتاب إلى تبنى نظرية انتهاء التنظيمات الدينية فى مصر نهائيًا، أو تحجيمها فى بلاد أخرى، دون النظر والتمعن فى فكرة العمل غير الصدامى لتلك التيارات بشكل عام (السلفيون أنموذجًا) فى فترات الاستضعاف، فالقاعدة الصلبة فى مشروع سيد قطب والحل الذى قدمه محمد قطب فى كتابة واقعنا المعاصر والحل لابد من ثورة شاملة على حاكمية البشر، ذلك الحكم الذى مرد الأمر فيه للبشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، وامتدادا لفكرة المودودى فى الثورة الشاملة، يرسم قطب الطريق المفصل لهذه الثورة، وللحديث بقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض