رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

نشرت الصحف فى مطلع هذا الأسبوع خبر وفاة الضابط البوليفى «ماريو تيران سالازار» الذى أطلق الرصاص على الثائر الأرجنتينى الكوبى الأشهر» تشى جيفارا» عام 1967، لفت نظرى الكلمات التى وصف بها قاتل جيفارا تلك اللحظة، مؤكدا أنها كانت أسوأ لحظة فى حياته، حينها بدا «تشي» كبيرا وعملاقا، عيناه تلمعان بشدة. هكذا هم أصحاب القضايا والمبادئ، يواجهون لحظة الموت بشجاعة وقوة رغم أنهم قيد الأغلال والأسر والحبس، بينما يصاب القتلة بالرعب رغم الأسلحة التى يمسكون بها فى أيديهم. وقف قاتل جيفارا يرتعد خوفا من سجين لا يملك أى شىء سوى إيمانه بقضيته والتى بدأت بمحاربة التدخل الأمريكى فى كوبا التى شارك جيفارا فى ميلادها وحصل على جنسيتها. كان جيفارا أخذ على نفسه عهدا ألا يمكن الأمريكيين من التغلغل فى كوبا والذى كان يهدف لاستغلال ثرواتها، لذا اعتبرته أمريكا عدوها الأساسى وظلت تحاربه بكل الوسائل غير المشروعة لدرجة أنها حاصرت كوبا كلها.. لكن المناضل الكبير اختفى ثم ظهر فى بوليفيا مؤسسا لحركة مسلحة لمجابهة أطماع أمريكا فى ثروات بوليفيا، وقد كان جيفارا صاحبا لشعار حوله لواقع عملي: «أينما وجد الظلم فذاك وطني».

ولأن الاستعمار «أى استعمار فى أى زمان أو مكان» يدرك جيدا خطورة أمثال جيفارا على مخططاته، حشدت أمريكا كل امكاناتها العسكرية والاستخباراتية للقضاء على جيفارا الذى وجد نفسه محاصرا مع ستة عشر جنديا فى برارى بوليفيا الاستوائية، ومع ذلك لم يستسلم. حتى بعد وفاة كل فرقته ظل وحيدا يحارب فرقة أمريكية مكونة من ألف وخمسمائة جندى تعمل كلها تحت قيادة وكالة الاستخبارات الأمريكية الشهيرة(السى آى إيه) التى قتلت جميع جنود جيفارا بعد معركة استمرت ست ساعات، وظل هو مع ذلك يقاوم بمفرده حتى وقع فى الأسر، وتم نقله إلى مدرسة فى إحدى القرى النائية، وبعد ليلة واحدة فقط صدرت الأوامر لهذا الضابط البوليفى بإطلاق الرصاص على جيفارا.

ظلت نظرات جيفارا الأخيرة قبل اغتياله تطارد ذلك الضابط، لدرجة نغصت عليه حياته وقضت مضجعه وبدأ يهذى فى بعض الأحيان بكلام غير مفهوم، خاصة أنه كان مطاردا دائما من الصحفيين والاعلاميين أينما راح أو جاء، فاضطر للتقاعد والبعد عن الأضواء هربا من عدسات المصورين ووسائل الإعلام التى لم تنخدع بالكذبة التى كان يرددها فى أواخر أيامه، بأنه من قتل جيفارا شخص آخر وليس هو وأن الأمر لا يعدو كونه تشابه أسماء! فارق كبير بين أن تكتسب شهرتك لأنك صاحب قضية تدافع بها عن حقوق البسطاء، وبين أن تكون مشهورا كقاتل يستل سلاحه يوجه إلى صدر أسير لديه. فارق كبير بين اسم جيفارا الذى تحول لأيقونة للمناضلين فى كل مكان، وبين اسم قاتله الذى ارتبط بالخسة والنذالة والتواطؤ مع الاستعمار ضد بلاده.

عندما مات جيفارا فى التاسع من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين كان عمرى أربع سنوات بالتمام والكمال. وعندما كبرت تعرفت على الثائر الكوبى لأول مرة فى سن المراهقة وأنا أتابع درة انتاج احمد فؤاد نجم والشيخ امام «جيفارا مات» آخر خبر فى الراديوهات وفى الكنايس والجوامع وفى الحوارى والشوارع وعَ القهاوى وعَ البارات، جيفارا مات واتمد حبل الدردشة والتعليقات. وكانت تلك الأغنية من أهم الأغنيات التى كان الشارع من خلالها عقب نكسة سبعة وستين وهو يبحث عن أى رمز يعيد إليه سيرة زمن البطولات.. لذا استمرت الشعوب العربية كلها تردد هذه الأغنية فى كل المظاهرات التى خرجت منددة بالاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية.

والآن وبعد أن عاش أكثر من خمسين عاما على جريمته مات قاتل جيفارا، بينما عاش جيفارا وسيعيش فى وجدان كل المظلومين من أصحاب الحقوق فى الحرية والكرامة والحياة. عاش جيفارا وسيعيش مجددا،لأن جيفارا فكرة والأفكار لا تموت. وربما بمناسبة موت قاتل جيفارا نجد شاعرا ومطربا يقدمان لنا اغنية جميلة اسمها: جيفارا عاش!

[email protected]