التغيير سُنة الحياة والتطوير أساس التقدم، وحيث إن البشرية فى سبيلها الدائم إلى الارتقاء فإن ما نراه يجرى حولنا من صراعات وحروب بعضها بشرى والآخر علمى وبيئى من أوبئة وجائحة وأمراض وفيروسات تدخل وتخرج من المعامل أو تغير عمدًا فى المناخ وفى التركيبة الطبيعية لكرة الأرض كل هذا يدعو إلى التأمل والتدبر لأن وإن كان «أفلاطون» قد كتب المدينة الفاضلة أو تلك اليوتوبيا التى ينتصر فيها الخير على الشر وينجح الإنسان فى كونه إنسانًا لا يكذب ولا يقتل ولا ينافق ولا يخون يحترم الآخر ويقدس الإله الواحد ويحب المرأة وينتمى للأرض والوطن فى يوتوبيا حاولت البشرية على مدار سنوات وسنوات أن تحققها بالتقدم العلمى وبالتغيير السياسى وبالفكر والأدب وبالحرب وبالقتل وبكل السبل المشروعة وغير المشروعة حتى الأديان لم تأخذ بيد الإنسان إلى جنات اليوتوبيا الموعودة، ولكنها قاومت الطغيان البشرى قدر المستطاع ووعدت البشر بأن تكون جنتهم فى السماء وليس على تلك الأرض... وجاءت فى مرحلة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية وبعد العولمة وسقوط سور برلين العظيم فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى لتظهر اليوتوبيا أو الأرض والمدينة الفاسدة بعد أن استشرف العديد من الكتاب والمفكرين أن البشرية قد تسقط فى بدائية جديدة حين تطغى التكنولوجيا والحروب والأطماع على البشر فينتهى هذا الكون البشرى من على كوكب الأرض ليبدأ الإنسان رحلة جديدة وحضارة أخرى مغايرة لحضارته السابقة ولكنها حياة ظالمة فاسدة ينتصر فيها الشر على الخير وتدفع فيها المرأة ثمن حريتها وآدميتها ولكأنها تكفر عن خطيئة جدتنا الأولى حواء التى كانت سببًا كما يدعون ويروجون فى أن تخرج البشرية من نعيم الجنة ومن رحمة المولى عز وجل...
وما نتابعه على الفضاء الإعلامى والمنصات الجديدة يدفعنا إلى نقطة النهاية من خلال الأعمال والأفلام وحتى الإعلانات التى تجعل الإنسان مسخًا يتصرف كما الحيوان بما فيها الألعاب الإلكترونية للصغار والشباب والتى تقدس الدماء والعنف وتبشر بكائنات مخلقة من العلم والشر أو كائنات فضائية كلها تسحق البشر وتخلق عالمًا جديدًا لا وجود فيه للدين أو الأخلاق.
ومع كل هذا العبث والردئ نجد أن مهد الحضارة مصر قد بدأت فى بناء الوعى وتغيير الرؤى والاهتمام بالبشر والقوة الناعمة حيث مكافحة كل ما هو متدنٍ والبحث عن الأصول والهوية واستعادة الماضى المشرق وفتح أبواب الأمل للقادم، فبعد موكب المومياوات وسيمفونية الأداء وطريق الكباش ها هى الدراما تستعيد بعضًا من أنفاسها وبريقها وترسى قواعد جديدة لدراما اجتماعية بناءة هادفة مع دراما بطولية حماسية إيجابية، فهناك أعمال جديدة تتعرض لتغيرات المجتمع وتناقش قضايا هامة عن البطالة وعن المخدرات وعن السياحة وعن العلاقات الأسرية كما فى مسلسل «الحلم» و «أبوالعروسة» والمبهر المشرق الذى يدعو للتفاؤل هو البرنامج الجديد لاكتشاف المواهب للصغار وللشباب والذى سمى « الدوم» حيث إعادة اكتشاف التراث الغنائى والموسيقى المصرى الأصيل بأصوات جديدة واعدة.. مازال هناك أمل أن تكون الثقافة والفن والإعلام على قلب رجل واحد وامرأة واحدة لمواجهة ما يجرى حولنا ويهدد البشرية والإنسانية فنصمد ونقاوم وننهض من الكبوة إلى إعادة الرقى والجمال واليوتوبيا الفاضلة إلى النور.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض