عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

فى الأسبوع الماضى مرت الذكرى الرابعة عشرة لرحيل « رجاء النقاش «.كان رجاء هو الأبن الأكبر لأسرة كبيرة العدد، قليلة الامكانيات، مفعمة بالأحلام والطموحات،التى فتحتها أمامها ثورة 23 يوليو، حينما أصبح الترقى الاجتماعى قرينا للجهد والعمل والكفاءة، وليس مرهونا بالحسب والنسب والثروة، وصار التعليم، كما كان يحلم «طه حسين «كالماء والهواء. كان الأب معلما إلزاميا من جيل المعلمين الإلزامين الذين، برغم الظلم الذى حاق بأوضاعهم المهنية والمادية، أضاءوا ظلام الريف المصرى بالعلم والمعرفة والثقافة، فقد كان شاعرا يكتب بعض المقالات فى مجلة الرسالة، التى كانت منبرًا للاشعاع الادبى والثقافى فى مصر والعالم العربى. وكان ينقل لأهل قريته «منية سمنود « فى ندوته الأسبوعية على مصطبة سكنه الريفى المتواضع، ما يقرأه من مكتبته العامرة بمؤلفات طه حسين والعقادو هيكل، وأحمد أمين وشوقى وحافظ وغيرهم، فيقرب بينهم وبين ما يجرى فى العاصمة القاهرة. 

انتقلت العائلة إلى القاهرة عام 1952لالتحاق رجاء بكلية الآداب قسم اللغة العربية فى جامعة القاهرة. ولم يكن رجاء قد تجاوز السابعة عشرة من عمره، حين بدأ يدرس ويعمل فى آن واحد، لمساعدة أبيه وأخوته السبعة على التعلم ومواصلة الحياة. ومنذئذ، صرت أحظى بأبين، الأب البيولوجى، وأخى رجاء النقاش. لفتت موهبة رجاء النقاش النظرله منذ ظهوره على الساحة الثقافية، وآثار كتابه الأول « فى أزمة الثقافة المصرية «الذى أصدره ولم يكن قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره، عاصفة من السجالات، ولم تكن تخلو كذلك من عداوات، بعدما كشف فيه أشكال التدخل الأمريكى فى شئون المنطقة العربية، التى تجاوزت الأبعاد السياسة،وغدت تتمدد عبر الثقافة.

خلال خمسين عاما من رحلته الثقافية،انتج خلالها أكثر من أربعين كتابا، كان الإنسان،محور هذه الرحلة ومنتهاها، لإثراء وعيه ومداركه، وإسعاده بالارتقاء بذائقته الفنية والثقافية. ولعل الإنجاز الأكبر الذى فعله رجاء النقاش خلال تلك الرحلة الشاقة، أنه حول النقد ألأدبى بقواعده العلمية التى تبدو جافة عصية على الفهم، على كثير من العامة، إلى شىء عادى بسيط، يظن كل من يقرأ مقالته أو كتبه، أنه يستطيع أن يكون مثله، من فرط جمال لغته وبساطة تعبيراته وقدرته الآسرة على قول أعقد القضايا بأبسط الطرق وأكثرها إقناعا وجذبا، لآنه لا يتعالى على قارئه، بل يشركه فيما يقول، ويمعن فى تدليله، بما يملك من ثقافة موسوعية رفيعة، لكى يحب ويقتنع ويتذوق ويطرب. 

كثيرون يعرفون الدور العام الذى قام به رجاء النقاش. من شغفه باكتشاف المواهب الجديدة فى كل المجالات الإبداعية، والدفع بها إلى دائرة الضوء، إلى مهارته الفائقة فى إدارة الإصدارات الصحفية الثقافية الناجحة وتأسيسها، داخل مصر وخارجها. لكن ربما لا يعلم كثيرون، أنه كان واحدا من قلائل ممن يملكون رؤية بنائية متكاملة للنهوض بمختلف نواحى الحياة الثقافية، فى مجالات النشر والإبداع المسرحى والسينمائى والتليفزيونى، وكان إنشاء صندوق التنمية الثقافية ومدينة الإنتاج الإعلامى، بعض أفكاره ضمن مشروع متكامل لتمويل النشاط الثقافى، قدمه للدكتور أحمد هيكل حين تولى موقعه وزيرا للثقافة. وكان رجاء هو من أقنع « أم كلثوم «حين رافقها فى إحدى رحالاتها للخارح أن تغنى للملحن المتفرد « سيد مكاوى.و هو وراء تقديم ظاهرة نجم والشيخ إمام للحياة العامة. 

ونجح تدخله لدى وزير الإعلام حينئذ» محمد فايق»لإلغاء القرار الأمنى الصادر بمنع الشاعر» نزار قبانى «من دخول مصر، وحظر أغانيه فى الإذاعة، بعد نشره قصيدته «هوامش على دفتر النكسة»التى يرثى فيها النظام العربى كله، محملا إياه التسبب فى هزيمة يونيو.

وفى ذكرى رحيلك،لا يزال مكانك فى الفضاء العام والخاص شاغرا.